۱۳۹۱ تیر ۱۱, یکشنبه

مبانی شریعت - ۵ (اصل جایز بودن هر چیزی است)




انسان و اصل جواز عقلی

 
اصل كلي عقلي در تعيين گونه‌ي ارتباط انسان با هستي (خدا، خود، طبيعت و همنوعان) چيزي جز «اباحه‌ي عقلي» نيست. بنا بر اين، در همه‌ي حوزه‌هاي شريعت، بايد مبناي اصلي و كلي تمامي رويكردها و راهكارها، بر «مجاز بودن انسان» استوار باشد و جز با دلايل اطمينان آور «عقلي يا نقلي» و در مقام رفع تزاحم و تعارض با حقوق ساير موجودات يا همنوعان، آدمي از «آزادي عمل» منع نشده و به چيزي «وادار» نشود. اين اصل مربوط به حوزه‌ي «عقايد» است كه طبيعتا در حوزه‌هاي «اخلاق و احكام شريعت» نيز تعيين كننده است و الزاما بايد مراعات گردد.
 
بررسی و نقد مبنای اصالة الحظر
 
۱- ادعاي اصالةالحظري‌ها درخصوص برهان عقلي بر مدعاي خويش «الف=انسان و هر موجود ممكني، ملك خداست. ب=لايجوز لاحد ان يتصرف في ملك الغير الا باذن صاحبه» كه از آن نتيجه مي‌گيرند؛ «آدمي حق تصرف در وجود خويش و هيچ‌يك از پديده‌هاي هستي را  بدون اذن و مجوز الهي ندارد»
 
از نظر صحت قضیه، مقدمه‌ي دوم (كبري) هم مصداقا و هم حكما منتفي است.
دلايل اين امر، عبارت‌اند از؛
 
يكم؛ كليت كبري منقوض است به جواز تصرفات غيرمضره نسبت به حق مالكيت غير. مثلا از نظر شرعي مي‌توان در آيينه‌ي نصب شده بر در يا ديوار غير نگاه كرد و يا از سايه‌ي ديوار يا درخت او بهره‌گرفت و يا از مناظر زيباي باغ و مزرعه‌ي ديگري بهره‌مند شد بدون آنكه احتياجي به اذن مالك باشد. بنابراين اين حكم كلي به «تصرفات مضره» تخصيص مي‌يابد و از اين جهت كليت كبري كه شرط صحت برهان است، منتفي مي‌شود.
 
دوم؛ قياس مالك حقيقي تمام هستي به مالك اعتباري بشري و تسري حكم مالكيت اعتباري شرعي به مالكيت حقيقي الهي، قياسي مع الفارق و خنده آوراست (از قياسش خنده آمد خلق را).
چرا كه خداي سبحان
اولا؛ از تصرف آدمي درملكش، ضرري نمي‌بيند تا مصداق حكم اعتباري باشد.
ثانيا؛ نسبت خدا با انسان (كه ملك خداست) و ساير موجودات (كه آنها هم ملك خدا هستند) همچون نسبت دو انسان بي ارتباط با يكديگر كه در استفاده از پديده‌اي (ملك خاص) به تعارض منافع رسيده‌اند، نيست، بلكه اگر قياسش صحيح باشد، به رابطه‌ي آدمي با گوسفندي كه ملك خودش است و مثلا به محصول زراعي او هجوم برده و گندم‌هايش را خورده است، بيشتر شباهت دارد (يا با منطق برده داري، به رابطه‌ي عبد و مولي و تصرف عبد در ساير املاك مولي، شباهت دارد، كه حكم شرعي آن با عبارت اشكالي ندارد «لا باس، انمااكل بعضه بعضا» خاتمه مي‌يابد).
ثالثا؛ اين قياس مستلزم تصور نياز و ضرر براي خداوند بي نيازي است كه محل هيچ تحولي از نفع و ضرر قرار نمي گيرد، و بطلان اين تصور، اظهر من الشمس است.
 
۲- ادعاي اصالة الحظري، نسبت به خلقت آدمي با نياز به خوردن، آشاميدن و... با قرار‌دادن دهان و گوش و چشم و دست و پا و عقل و زبان از يك طرف، و ممنوعيت تصرف آدمي در ذهن و اعضاء بدن خويش (جوارح و جوانح) و ساير پديده‌هاي خلقت (حتي در حد نگاه‌كردن و شنيدن)، حتي در حد چند‌صدم ثانيه، امري است كه تصور آن نسبت به خداي حكيم محال است تا چه رسد به تصديق آن. چرا كه حكم به محال است (مثلا، تصميم فرد به فرو بستن چشم، تا وقتي كه از جانب خدا مجوز ديدن صادرشود، خود نوعي تصرف در ذهن و بدن خويش است كه فرض مدعي، حرمت آن است) و از فرض صدق اين ادعا، كذب آن لازم مي‌آيد. يعني اگر چشم فروبندد، مستلزم تصرف در ملك خدا است و اگر باز گذارد نيز تصرف در ملك خدا شده است، چرا كه بي شك چيزهايي را مي‌بيند و راه سومي نيز وجود ندارد تا گريزي داشته باشد. بنابراين ازجهات عديده اين ادعا نقض مي‌شود.
 
تحلیل مبنای اصالة الإباحة العقلیة
 
نتیجه‌ی عملی رویکرد «اصالة الإباحة العقلیة» این است که؛ «بهره‌گیری از همه‌ی مواهب طبیعت و توان آدمی، به حکم عقل مجاز است و جز با دلایل اطمینان‌آور، نمی‌توان آدمی را از چیزی محروم کرد. ممنوعیت استفاده از هر پدیده‌ای، در گرو اثبات آن با دلایل قوی و اطمینان‌آور است». بنابراین دیدن، شنیدن، خوردن، آشامیدن، لمس کردن، بهره‌های جنسی، مالکیت، آزادی و... همه‌ی بهره‌مندی‌های بشری مجاز است، مگر آنکه با دلایل قانع کننده عقلی یا نقلی، ضرر و زیان و فساد و بطلان بهره‌ای خاص یا موردی خاص،  ثابت شود. پس برای مباح و مجاز بودن، احتیاجی به مجوز نقلی نیست و اصالة الإباحه‌ی عقلیه کفایت می‌کند.
 
نتیجه‌ی عملی «اصالة الحظر عقلی» این است که «بهره‌گیری از همه‌ی مواهب طبیعت و توان آدمی، به حکم عقل ممنوع است مگر اینکه مجوزی از سوی شارع مقدس (خداوند) صادر شده و با دلایل اطمینان بخش ثابت شده باشد. بنابراین، تمامی موارد یادشده‌ی فوق ممنوع است مگر چیزهایی که شارع مقدس، بهره‌گیری از آن را مجاز شمرده باشد. پس برای حرام بودن، احتیاجی به تحریم نقلی نیست و اصالة الحظر عقلی کفایت می‌کند.
می‌بینیم که مسیر این دو رویکرد همچون مسیر شرق و غرب جغرافیایی است. هرچه به طرف غرب حرکت کنیم از شرق دور شده‌ایم و بالعکس.
 
تشریح اصالة الاباحة‌ی عقلیه در کلام پیشینیان
 
در این مجال به تشریح سه نفز از بزرگان علما اشاره می کنم: سید مرتضی، شیخ طوسی و فیض کاشانی
 
اول. تحلیل سید مرتضی از دو مبنای اصالة الحظر و الاباحة
 
کتاب «الذريعة الی اصول الشریعة » (أصول فقه) مربوط به سید مرتضى است. وی که پس از  شیخ مفید، فقیه و متکلم شیعه، در جایگاه استادش قرار گرفت، میدان دار فقه و کلام شیعی شد و از بزرگان شاگردان شیخ مفید، همچون شیخ ظوسی و ابن براج و ابی الصلاح وسایر بزرگان از علمای شیعه گردید. وی در این کتاب فصل مفصلی به این مهم اختصاص داده است که به دلیل اهمیت عینا نقل می شود. (ج ۲  ص ۸۲۴-۸۰۵)
 باب الكلام في الحظر والإباحة
 اعلم أن حد المباح يتضمن إثباتا ونفيا وتعلقا بالغير : فالاثبات هو حسنه ، والنفي هو أن لا مدح فيه ولا ذم ولا ضرر ، والتعليق هو أن  يعلم المكلف أو يدل على ذلك من حاله . و بمجموع ما ذكرناه ينفصل من وجوه الافعال الباقية ، لأنه بكونه حسنا ينفصل من القبيح ، ومما ليس بحسن ولا قبيح ، وبكونه لا ضرر فيه ولا مدح ولا ذم ينفصل من الندب والواجب ، وبالتعلق ينفصل من الحسن الذي يقع من الله تعالى ولا صفة له زائدة على حسنه ، كاستيفاء العقاب ، لأنه تعالى لا يجوز أن يعلم ولا يدل ، ومن أفعال البهائم ومن جرى مجراها .
 ‹ صفحه 806 › وإن أسقطت في هذا الحد عند ذكر النفي الضرر والذم ، واقتصرت على نفي المدح ، كفى ، فإنه بنفي المدح يبين من الندب والواجب ، ولا يحتاج إلى أن يبين منهما  أيضا بنفي الضرر والذم . وهو وإن بان بنفي الضرر عنه والذم من القبيح ، فيكفيه في إبانته منه كونه حسنا . ووجدت بعض من يشار إليه في أصول الفقه ينفي الضرر والمدح والذم في فعل المباح وألا يفعل ، ويعتبر ذلك في الامرين . وهذا غير صحيح ، لأنه يقتضي أن استيفاء العقاب في الآخرة ليس له صفة المباح وإن لم يطلق عليه الاسم ، ويقتضي أيضا أن يكون استيفاء أحدنا للدين* غير مباح ، لان العقاب والدين من ما يستحق المدح بأن لا يستوفيا .
‹ صفحه 807 › فإن قال من راعى ما ذكرناه في الفعل وأن  لا يفعل : ليس في أن لا يستوفى العقاب والدين مدح على كل حال ، وإنما المدح في إسقاط ذلك ، وقد لا يستوفى ولا يسقط ، فلا يمدح . قلنا : يجب إذا نفيت المدح نفيا مطلقا في  أن لا يفعل  أن يعم  أحوال ألا يفعل كلها  ، كما عم هذا النفي أحوال الفعل كلها ، وإذا  كان في بعض الأحوال المدح ثابتا بطل الحد ، ومن لم يستوف  العقاب أو  الدين إنظارا  و  إمهالا وإن لم يسقط ذلك يستحق المدح لا محالة ، وإن كان ذلك دون المدح على الاسقاط ، ولهذا مدح تعالى بأنه حليم من حيث  لا يعاجل بالعقاب وإن لم يسقطه . فإذا قيل : قد لا  يعاجل بالعقاب ولا يستو في الدين من ‹ صفحه 808 › لا يستحق المدح إذا لم يقصد بذلك الاحسان ووجه النعمة به .
قلنا : وقد  يسقط العقاب والدين أيضا من لا يستحق المدح إذا لم يقصد الاحسان ، ويكفي في انتقاض الحد أن نجد المدح حاصلا في حال من أحوال  أن لا يفعل . وأما حد المحظور ، فهو القبيح الذي قد أعلم  المكلف أو دل على ذلك من حاله ، لأنه بما ذكرناه يبين  من كل ما يخالفه .
وقد اختلف الناس فيما يصح الانتفاع به ولا ضرر على أحد فيه : فمنهم من ذهب إلى أن ذلك على الحظر  ، ومنهم من ذهب إلى أنه مباح ، ومنهم من وقف بين الامرين . واختلف من ذهب إلى الحظر  فبعضهم  ذهب  إلى أن ما لا يقوم البدن إلا به ولا يتم العيش إلا معه على الإباحة . ‹ صفحه 809 › وما عداه على الحظر  ، وفيهم  من سوى بين الكل في الحظر  ، وقال آخرون بالوقف  ، وجوزوا كل واحد من الامرين : يعني الحظر  والإباحة . ولا خلاف بين هذه الفرقة وبين من  قطع على الحظر ) في وجوب الكف عن  الاقدام ، إلا أنهم اختلفوا في التعليل : فمن قال بالحظر كف لأنه اعتقد أنه مقدم على قبيح  مقطوع عليه ، ومن يقول بالوقف إنما كف لأنه لا يأمن من كونه مقدما على محظور  قبيح .
والصحيح قول من ذهب فيما ذكرنا صفته من الفعل إلى أنه في العقل على الإباحة . والذي يدل على صحته أن العلم بأن ما فيه نفع خالص من ‹ صفحه 810 › مضرة عاجلة أو آجلة له صفة المباح وأنه  يحسن الاقدام عليه كالعلم بأن ما فيه ضرر خالص عن كل منفعة قبيح محظور  الاقدام عليه ، والعلم بما ذكرناه  ضروري كالعلم بقبح ما له صفة الظلم وحسن ماله صفة الاحسان والانعام .
فإذا قيل : كيف تدعون علم الضرورة فيما يخالف فيه من ذهب إلى الحظر ؟ ! . قلنا : لم يخالفوا في الموضع الذي ذكرناه  . وإنما اعتقدوا أن في الاقدام على ما ذكرناه مضرة ، فلم يخلص لهم العلم بالصفة التي يتبعها العلم بالإباحة ، وكذلك من توقف لم يخلص له هذا العلم ، لأنه يعتقد أنه لا يأمن المضرة في الفعل .
ويبين ما ذكرناه أنه لا بد في كل نوع من أحكام الافعال من أصل ضروري في العقل ، ألا ترى أن ماله صفة الظلم لا بد من قبحه في العقل ، وما له صفة الانصاف وشكر ‹ صفحه 811 › النعمة لا بد من وجوبه ، وكذلك لا بد من أن يكون في العقل أصل  لإباحة  ماله صفة مخصوصة من الافعال ، ولا شئ يمكن ذكره في ذلك إلا ما أشرنا إليه من المنفعة الخالصة . ولم يبق إلا أن يقولوا : دلوا على أنه لا مضرة فيما ذكرتم من الفعل ، ففيه الخلاف.
قلنا : المضرة على ضربين : عاجلة وآجلة ، فالعاجلة يعلم فقدها لفقد طرق العلم بها أو الظن لها ، وللعلم أدلة وطرق ، وللظن أيضا أمارات وطرق ، فإذا فقد كل وجوه العلم و الظن ، قطع على انتفاء المضرة العاجلة . ولولا  صحة هذه الطريقة لم يعلم انتفاء المضرة عن تصرفنا وتجاراتنا وكثير من أفعالنا . وتجويز المضرة في الفعل من غير أمارة عليه يلحق بظن أصحاب السوداء . وأما المضرة الآجلة ، فهي العقاب ، وإنما يعلم انتفاء ذلك لفقد السمع الذي يجب أن يرد به لو كان ثابتا ، لان الله تعالى لا بد أن يعلمنا ما علينا من المضار الآجلة التي هي العقاب ‹ صفحه 812 › الذي يقتضيه قبح الفعل ، وإذا فقدنا هذا الاعلام ، قطعنا على انتفاء المضرة الآجلة أيضا .
فإن قيل : أنتم ممن يعتبر في كون الفعل حسنا انتفاء وجوه  القبح عنه  ، فمن أين لكم انتفاء وجوه القبح عن تصرفكم ؟ ! قلنا : وجوه  القبح معلومة ، فإذا لم يكن الفعل كذبا ، ولا ظلما ، ولا إرادة لقبيح ، ولا تكليفا لما لا يطاق ، إلى غير ذلك من وجوه القبح ، وعلم أنه ليس بمفسدة ، لفقد إعلام الله تعالى له بذلك ودلالته عليه ، علم انتفاء جميع وجوه القبح . على أن هذا الضرب من التشكيك قائم في الاحسان وشكر النعم  ، و  إذا كان لنا طريق إلى العلم بانتفاء وجوه القبح عن  ذلك فهو الطريق  إلى غيره .
دليل آخر : ومما يدل على أصل المسألة أن قد علمنا حسن التنفس  في الهواء ، ولابد * لحسن ذلك من علة . ‹ صفحه 813 › ولا يجوز أن يكون علته الحاجة  إليه ، لان ذلك يقتضي حسن كل شئ يحتاج إليه ، وليس  هذا قولا لاحد .
فإن قيل : يحسن للحاجة وانتفاء وجوه القبح ، فذلك  يعود إلى ما قلناه . ولا يجوز أن يحسن ذلك لدفع مضرة . من حيث كان الحي منا يستضر متى لم يتنفس ، لان هذه المضرة لا تخلو  من أمرين : أحدهما أن يصح استمرار كون الحي منا حيا مع هذه المضرة ، والآخر أن يكون استمرارها لا يصح  مع هذه المضرة : فإن كان الأول  ، فما فعل لدفع مضرة  قد يفعل للنفع ، وكل فعل حسن لأحدهما فإنه يحسن للآخر . على أنه قد يحسن التنفس في الهواء الزائد على ما  تندفع به المضرة وما دافع حسن ذلك إلا كدافع حسن أصل التنفس . وإن كان الامر على الوجه الثاني ، فقد كان يجب أن لا يتنفس إلا عند الضرورة ، ومعلوم خلافه . على أن من اعتل بذلك أفسد على نفسه الاعتلال ‹ صفحه 814 › بقبح التصرف في الملك ، لأنه بالتنفس  قد تصرف في ملك غيره من الهواء وآلات نفسه بغير إذن المالك . وبعد ، فإذا جاز التصرف في التنفس لتبقى الحياة ولا تتلف  وهي ملك الله تعالى ، جاز أن يكف  عن التنفس  ليبقى سكون الهواء وسكون آلات التنفس ولا يتلف ذلك وهو ملك له تعالى ، فما أحد الامرين إلا كالآخر.
طريقة أخرى : ومما استدل به على ذلك أن الله تعالى خلق الأجسام مختصة بالطعوم والأراييح ، ولا بد من أن يكون له في ذلك غرض ، لان العبث لا يقع منه لقبحه ، ولا وجه لحسن ذلك له إلا خلقها لينتفع بها العباد . ولا يجوز أن يخلقها على وجه النفع إلا مع أنها على الإباحة ، والحظر ناقض لهذا الغرض ، وقد علم أن النفع لا يجوز عليه تعالى ، فلا يمكن ‹ صفحه 815 › القول بأنه خلقها لنفعه ، ولا يجوز أن يكون خلقها لمضرة الغير ، لان الضرر إذا كان غير مستحق ولا نفع ولا دفع ضرر فيه فهو ظلم ، والظلم قبيح لا يقع منه تعالى ، وإن كان مستحقا فالكلام في أول ما خلق ولا عاصي هناك يستحق العقاب ، ولا يجوز أن يكون ذلك للنفع الذي يجري مجرى العوض لان ذلك يقتضي تقدم التكليف ، ولا يجوز أن يكون للنفع الذي هو دفع الضرر ، لأنه تعالى قادر على دفع المضار من دونه . ولأن الكلام على أول ما يخلق . ولا يجوز أن يكون النفع فيه هو التكليف ، لأنه قد يحسن ذلك بلا تكليف . ولأن ما يتعلق بالتكليف قد يتم من دون خلق الطعوم والأراييح . فلم يبق بعد ذلك إلا أنه مخلوق لانتفاع الخلق ، ولا يكون كذلك إلا ولهم أن ينتفعوا ‹ صفحه 816 › به ، لان من أعد طعاما ليؤكل متى قيل فيه : إنه قد حرم أكله كان ذلك نقضا .
 وخلقه ذلك لانتفاع الخلق لا يقتضي أنه تعالى أراد منهم الانتفاع، فيكون مريدا للمباحات ، بل المعنى أنه تعالى أراد إحداثه لوجه الانتفاع ، فالإرادة متعلقة بما خلقه من الأجسام والاعراض ، دون فعل العبد ، لأنه یجوز أن يخلقه لهذا الوجه ، ويخرج العبد من أن ينتفع بسوء اختياره ، ولا يخرج هو تعالى من أن يكون خلق لهذا الغرض . ويمكن أن يعترض هذه الطريقة بأن يقال : إنه خلق هذه الطعوم وما أشبهها للنفع الذي هو وجوب تجنب الانتفاع بها عاجلا ، ليستحق الثواب بذلك ، والمنافع الآجلة الدائمة .
فإذا قيل : هذا تكليف ، و قد يحسن خلق هذه المعاني ‹ صفحه 817 › في الأجسام من غير تكليف . قلنا : لا نسلم لكم أن خلق ذلك يحسن من دون تكليف مكلف بالعرض بإيجاب تجنب ذلك للمنافع العظيمة الدائمة ، فمن ادعى حسنه من دون تكليف ، فعليه الدلالة ، ولن يجدها . وإذا قيل : إن المنفعة التي أشرتم إليها آجلة غير عاجلة ، وهي منفعة على سبيل المجاز . قلنا : هذا غلط فاحش ، لان المنفعة الدائمة العظيمة وإن تأخرت فهي أعظم وأنفع من العاجلة المنقطعة .
ومن هذا الذي يجترى على أن يقول : إن الطاعات والعبادات الشاقة ليست بمنافع لنا على الحقيقة ؟ ! . ومتى قيل : لو كان الامر على ما ذكرتم وقدرتم ، لوجب أن يدل تعالى على حظر ذلك ، وإذا فقدت دلالة الحظر ، بطل هذا الوجه . وذلك أن لهم أن يقولوا : في العقل حظر ذلك ، لأنه محظور ‹ صفحه 818 › أن يتصرف أحد في غير ملكه بلا إذن المالك . وما لا يزال  يقولون : إنه لو خلق الألوان والطعوم والأراييح ليستدل بها على حدوث الجسم والتوصل إلى معرفته تعالى لكان خلق الألوان يغني عن ذلك ولا يحوج إلى سواه ، باطل، لان الأدلة قد تترادف وتتوالى ، و  إن أغنى  بعضها عن بعض ، ولا يكون نصب الدليل الثاني عبثا ، لان الأول أغنى عنه .
ومتى قيل : لا يمكن أن يعلم الأراييح والطعوم في الأجسام فيستدل بها على خالقها تعالى إلا بأن يدركها * وينتفع بها ، وهذا يرد الامر إلى أنها خلقت للانتفاع . وذلك أنه غير ممتنع  أن يدركها فلا ينتفع بها ، إما لخلونا من شهوة لها ونفار عنها ، أو لارتفاع الشهوة ‹ صفحه 819 › ووجود النفار .
طريقة أخرى : وقد استدل أيضا على ذلك بأن كل شئ يمكن الانتفاع به من وجهين فخلقه تعالى لينتفع به من أحد الوجهين يقتضي كونه عبثا من حيث خلقه على الوجه الآخر ، وجرى خلقه له على الوجهين وهو لا يريد أن ينتفع به منهما مجرى خلقه لشيئين يصح الانتفاع بهما وغرضه الانتفاع  بأحدهما في أن خلقه للآخر عبث . وليس يجري ذلك مجرى ما لم يخلقه ، مما كان يصح أن يخلقه فينتفع  به ، لان ما لم يخلق معدوم ، والعبث من صفات الموجود . وليس القديم تعالى ممن يصل بفعل إلى آخر ، أو بوجه  إلى وجه ، كأحدنا الذي يصح أن يفعل فعلين ، والغرض في أحدهما ، لأنه  عز وجل يتعالى عن  ذلك . وقد علمنا أن كون الجسم ذا طعم وذا رائحة وذا ألوان في كونه دلالة على إثبات الصانع يجري مجرى أفعال متغايرة  ، ‹ صفحه 820 › فلا يجوز منه تعالى أن يجعله كذلك إلا وهو يريد الانتفاع بالكل  على سائر الوجوه .
وهذه الطريقة يمكن أيضا اعتراضها بالمعنى المتقدم : فيقال لهم : خلق الطعوم والأراييح يمكن الاستدلال بها على الصانع تعالى - كما ذكرتم ، وقد أراد تعالى ذلك من المكلفين ويمكن أيضا أن ينتفع بها على وجه الادراك لها والالتذاذ بها ، و  على وجه آخر ، وهو وجوب تجنب هذا الانتفاع ، ليستحق بذلك الثواب العظيم ، وإرادة هذين الوجهين متعذرة ، لتنافيهما ، فلم يبق إلا أنه يجب أن يكون مريدا لأحدهما ،
فمن أين قلتم : إنه أراد الانتفاع والالتذاذ دون أن يكون أراد أن يتجنب  لاستحقاق الثواب ؟ ! . فإذا قلتم  لو أراد التجنب ، لدل عليه . أمكن أن يقال لكم : قد دل عليه بما في العقل من حظر ‹ صفحه 821 › التصرف في الملك إلا بإذن المالك . على أن ذلك ينعكس عليكم ، فيقال لكم : و  لو أراد إباحة الانتفاع ، لدل على ذلك .
وقد استدل من قال بالحظر على صحة مذهبه بأن المخلوقات كلها ملك الله تعالى ولا يجوز في العقول أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذنه وإباحته ، فإذا فقدنا الاذن والإباحة ، قطعنا على الحظر.
وهذه الطريقة عليها يعولون، وبها يصولون . ولنا عنها جوابان : أحدهما  أن الدليل العقلي الذي ذكرناه  أقوى في الدلالة على الاذن والإباحة من السمع ، فإذا حسن التصرف بالاذن السمعي ، فهو بأن يحسن بالدليل العقلي أولى . يوضح ما ذكرناه أن أحدنا لو وضع الماء على الطريق على وجه مخصوص قد جرت العادة بأنه للإباحة ، لكان ذلك أقوى في الإباحة من الاذن بالقول . وكذلك لو أحضر الطعام وأقعد الضيف على ‹ صفحه 822 › المائدة ، لكان ذلك أقوى من إذنه بالقول . ولو أشار إلى تناول الشئ ، لكان كالاذن بالقول . ومما يمكن أن يذكر هيهنا أن ما يملكه أحدنا لا بد من كونه رزقا له ونفعا ، ولو ملكنا ما ليس هذه حاله ، لحسن من غيرنا تناوله من دون إذننا ، وما يملكه تعالى هذه حاله ، فمن أين أن التصرف فيه لا يجوز إلا بإذنه ؟!
وبعد ، فإن معنى قولنا فيما خلقه الله تعالى - : ( إنه ملكه ) أنه يقدر على التصرف فيه بالافناء وغيره ، وليس هذا هو المراد فينا ، بل المراد أنه يتصرف  فيه بوجوه المنافع ، ولذلك قيل فيما فات الانتفاع به كالميتة وغيرها : إنه ليس بملك ، وقد علمنا أن في تصرفنا في منافع الغير تفويتا لنفعه ، فيجب كونه ظلما إلا أن يعلم بإذنه أن هناك نفعا هو أجدى علينا ، ولا يتأتى ذلك فيما يملكه تعالى .
‹ صفحه 823 › فإن قيل : قد يحسن منا منع البهيمة من النفع لما  لم تكن مالكة ، ويقبح ذلك في الملك ، وليست العلة إلا الملك وفقد الاذن . قلنا : النفع إذا حصل له مع البهيمة اختصاص يجري مجرى حيازة الملك لم يكن لنا منعها منه ، لما فيه من الاضرار بها . فأما الجواب الثاني ، فإن العلة في قبح التصرف في ملك غيرنا ليست ما ذكروه ، بل هي أنه تصرف فيما يضره من ملكه بغير إذنه ، وهذا غير موجود في ملكه تعالى . والذي يدل على أن العلة ما ذكرناه أنه قد يحسن من أحدنا أن يستظل بظل حائط غيره بغير إذنه ، وأن ينظر في مرآته المنصوبة بغير أمره ، وكل ذلك تصرف في ملك الغير بلا إذنه ، وإنما حسن من حيث انتفاء الضرر عنه ويوضح ما ذكرناه أن من أباح طعامه لغيره فالمتناول منه ملك لصاحبه ، والاذن لم يؤثر ‹ صفحه 824 › في انتقاله عنه ، وإنما حسن التصرف لزوال المضرة ، ألا ترى أن  المأذون له لو علم أن الضرر مع الاذن ثابت لم يحل له التناول ؟!
 
 دوم. تحلیل شیخ طوسی در کتاب عدة الأصول
 
 وأما من أوجب العمل به عقلا : فالذي يدل على بطلان قوله انه ليس في العقل ما يدل على وجوب ذلك وقد سبرنا أدلة العقل فلم نجد فيها ما يدل على وجوبه فينبغي أن لا يكون واجبا وأن يكون مبقى على ما كان عليه .
وأيضا : فان الشريعة مبنية على المصالح ، فإذا لم نجد ما يدل على قبول خبر الواحد في العقل ، فينبغي أن يكون مبقى على ما كان عليه في العقل ، من الحظر أو الإباحة . ‹ صفحه 107 › وليس لاحد أن يقول *: ان في العقل وجوب التحرز من المضار ، وإذا لم نأمن عند خبر الواحد ، أن يكون الامر على ما تضمنه الخبر ، يجب علينا التحرز منه والعمل بموجبه كما أنه يجب علينا إذا أردنا سلوك طريق أو تجارة وغير ذلك فخبرنا مخبر أن في الطريق سبعا أو لصا ، أو يخبرنا بالخسران الظاهر ، وجب علينا أن نتوقف عليه ونمتنع من السلوك فيه ، فحكم خبر الواحد في الشريعة هذا الحكم .
وذلك أن الذي ذكروه غير صحيح من وجوه : أحدها : ان الاعتبار الذي اعتبروه يوجب عليهم قبول خبر من يدعي النبوة من غير علم يدل على نبوته ، لان العلة قائمة فيه ، وهي وجوب التحرز من المضار ، فأي فرق فرقوا في ذلك ، فرقنا بمثله في خبر الواحد .
والثاني : ان الذي ذكروه انما يسوغ فيما طريقه المنافع والمضار الدنيوية ، فأما ما يتعلق بالمصالح الدينية ، فلا يجوز أن يسلك فيها الا طريق العلم * ولهذه العلة أوجبنا بعثة الأنبياء واظهار الاعلام * على أيديهم ، ولولا ذلك لما وجب ذلك كله .
والثالث : ان خبر الواحد لا يخلو أن يكون واردا بالحظر أو الإباحة . فان ورد بالحظر لا نأمن أن تكون المصلحة في اباحته وان كونه محظورا يكون مفسدة لنا . وكذلك ان ورد ( بالإباحة ) لا نأمن أن تكون المصلحة تقتضي حظره ، وأن تكون ‹ صفحه 108 › اباحته مفسدة لنا ، فنقدم على ما لا نأمن أن يكون مفسدة لنا ، لان الخبر ليس بموجب للعلم ، فنقطع به على أحد الامرين ، وذلك لا يجوز في العقول .
وليس لاحد أن يقول: إذا لم يكن في السمع دلالة على الحادثة الا ما تضمنه خبر الواحد ، وجب العمل به بحكم العقل لأنا متى لم نعمل به أدى إلى أن تكون الحادثة لا حكم لها ، وذلك لا يجوز لأنه إذا لم يكن في الشرع دليل على حكم تلك الحادثة وجب تبقيتها على مقتضى العقل من الحظر ، أو الإباحة ، أو الوقف ويحتاج إلى خبر الواحد ، فعلم بهذه الجملة بطلان هذا المذهب.
 وأما من أوجب العمل به على ما يذهب إليه مخالفونا في الاحكام فالذي يبطله أن نقول : إذا لم يكن في العقل ما يدل على ذلك فالطريق إلى ايجابه السمع ، وليس في السمع دليل على وجوب العمل بخبر الواحد - على ما يذهبون إليه - لان جميع ما يدعونه دليلا ليس في شئ منه دليل على وجه ونحن نذكر شبههم في ذلك ونتكلم عليها بموجز من القول:
 أحد ما استدلوا به على وجوب العمل بخبر الواحد قوله تعالى : " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ". قالوا : فحث الله تعالى كل طائفة على التفقه ، وأوجب عليهم الانذار والطائفة ‹ صفحه 109 › يعبر بها عن عدد قليل لا يوجب خبرهم العلم، فلولا أنه يجب العمل بخبرهم لما أوجب عليهم الانذار ، لأنه لا فائدة فيه. وربما قووا ذلك بأن قالوا : لما أوجب الله تعالى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الانذار وجب علينا القبول ولو لم يجب علينا القبول لما وجب عليه الانذار .
وهذه الآية لا دلالة فيها لان الذي يقتضيه ظاهر الآية وجوب الانذار على الطائفة وليس في وجوب الانذار عليهم وجوب القبول منهم ، لأنه غير ممتنع * ان تتعلق المصلحة بوجوب الانذار عليهم ولا تتعلق بوجوب القبول منهم ، الا إذا انضاف إليه شئ آخر ألا ترى انه قد يجب التحذير والانذار من ترك معرفة الله ومعرفة صفاته وان لم يجب القبول من المخبر في ذلك ، بل يجب الرجوع إلى أدلة العقل وما يقتضيه . وكذلك يجب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الانذار ، وان لم يجب القبول منه الا إذا دل العلم المعجز على صدقه ، فيجب حينئذ القبول منه . فكذلك القول في تحذير الطائفة انه يجب عليهم التحذير ، ويجب على المنذر الرجوع إلى طرق العلم . وأيضا : يجب على أحد الشاهدين إقامة الشهادة ، ولا يجب على الحاكم تنفيذ الحكم بشهادته ، الا إذا انضاف إليه من تتكامل الشهادة به ثم يعتبر أيضا بعد تكاملهم صفاتهم ، وهل هم عدول أو لا ؟ حتى يجب عليه الحكم بشهادتهم . وكذلك يجب على آحاد المتواترين النقل فيما طريقه العلم ، وان كان لا ‹ صفحه 110 › يحصل العلم بخبره ، ولا يجب علينا أن نعتقد صحة ما أخبر به الا بعد أن ينضاف من يتكامل به التواتر إليهم فحينئذ يوجب العلم ،
ولذلك نظائر كثيرة في العقليات * ألا ترى انه قد يجب على الواحد منا العطية إلى غيره ، وان كان ذلك الغير لا يجوز له أخذها ، ألا ترى ان من ألجأ غيره ظلما بتخويف القتل إلى اعطائه المال أو الثياب يجب عليه اعطائه بحكم العقل خوفا من القتل ، ولا يجوز للظالم الملجئ أخذ ذلك على وجه من الوجوه . وليس لاحد أن يقول : ان هذا يبطل فائدة الانذار ، لأنه متى لم يجب القبول فلا وجه لوجوب الانذار عليهم وذلك انا قد بينا انه قد يجب الانذار في مواضع ذكرناها ، وان لم يجب القبول من المنذر لما بيناه ، فكذلك القول فيما قالوه . فأما حملهم* ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذلك دليلنا لأنا قد بينا أنه لا يجب القبول منه الا بعد أن يدل العلم المعجز على صدقه ، فحينئذ يجب القول منه . فنظير هذا أن يدل دليل على وجوب العمل بما أنذروا به حتى يجب علينا العمل به . وفي هذا القدر كفاية في ابطال التعلق بهذه الآية. «عدة الأصول (ط.ج)، ج 1 - ص 106 – 110»؛
 
محقق أردبيلي نیز در این باره آورده است؛
قل من حرم زينة الله " أي قل يا محمد ما حرم الله زينته أي الأمور التي خلقها الله تعالى لزينة عباده " التي أخرج " الله " لعباده " أي خلقها لعباده وأخرجها من النبات كالقطن والكتان ومن الحيوانات كالصوف والسفر آلات " والطيبات ‹ صفحه 73 › من الرزق " المستلذات من المأكل والمشرب أو المباحات ، ففيها دلالة واضحة على أن الأشياء خلقت على الإباحة دون الحرمة ، كما في غيرها ، كما صرح به صاحب الكشاف في أول سورة البقرة في قوله تعالى " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا " أي لانتفاعكم بجميع ما خلق فيها بل هي وما فيها كما دل عليه العقل فاجتمع الآن العقل والنقل على أن الأصل في الأمور هو الإباحة ، وغيرها يحتاج إلى الدليل فتأمل . (زبدة البيان، المحقق الأردبيلي، ص 72 و 73 )
 
سه. استدلال برای اصالة التکلیف ادعایی برخی فضلاء
 
فیض کاشانی ادله اصالة الحظر را از زبان برخی فضلا تقل و تحلیل کرده است:
قال بعض الفضلاء: من المعلوم عند اولي الألباب ان الأحاديث الشريفة ناطقة بأن كل واقعة تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة ورد فيها خطاب قطعي عن الله تعالى فلم يبق شئ على مجرد اباحته الأصلية فالتمسك بالبراءة الأصلية لا يجوز في نفس أحكامه تعالى .
أقول : هذا انما يصح بالنسبة إلى من خصه الله بفهم جميع الأحكام من القرآن ‹ صفحه 18 › كالأئمة المعصومين عليهم السلام ومن تمكن من الاخذ عنهم مشافهة دون جمهور الناس ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام في الحديث السابق : " فاستنطقوه " مشيرا إلى أنه لا يفهم لسانه الا أهل الله خاصة ثم قال : ولن ينطق لكم ، لعدم السمع الباطني والاذن القلبية فيكم ، ثم بين انه ( ع ) لسان الله الناطق عن كتبه للخلق ، المخبر عن أسرار القرآن ومكنوناته فقال : أخبركم عنه ، وقال : لو سألتموني لعلمتكم ، إلى غير ذلك مما يدل على هذا المعنى كما يأتي في الأصل الثاني فلا سبيل إلى فهم معاني القرآن والقطع بأحكامه لجمهور الناس الا من جهتهم عليه السلام ،
اما في مثل هذا الزمان فلا خطاب قطعي في حكم من الاحكام المختلف فيها الا بالنسبة إلى من آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب والاذن القلبية والسمع الباطني لسماع القرآن وفهمه دون غيره من الناس لان اخبار الآحاد لا تفيد الا ظنا مع أنها لا تفي بجميع الاحكام كما هو ظاهر . وأيضا : فان أكثرها كالقرآن في الدلالة الاجمالية وعدم التنصيص وقبولها لتخالف الافهام فيها ، واما التمسك بالبراءة الأصلية ففيه تحقيق ذكره المحقق الحلي رحمه الله في أوائل كتاب المعتبر فإنه قال  : ويقال : عدم الدليل على كذا فيجب انتفاؤه وهذا يصح فيما يعلم أنه لو كان هناك دليل لظفر به اما لا مع ذلك فإنه يجب التوقف ولا يكون ذلك الاستدلال حجة ومنه القول بالإباحة لعدم الوجوب والحظر ، انتهى كلامه رحمه الله .
‹ صفحه 19 › وقال في كتابه في الأصول : اعلم أن الأصل خلو الذمة عن الشواغل الشرعية فإذا ادعى مدع حكما شرعيا جاز لخصمه ان يتمسك في انتفائه بالبراءة الأصلية فيقول : لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان عليه دلالة شرعية لكن ليست كذلك فيجب نفيه ، ولا يتم هذا الدليل الا ببيان مقدمتين : إحداهما انه لا دليل عليه شرعا بان يضبط طرق الاستدلالات الشرعية ويبين عدم دلالتها عليه ، والثانية ان يبين انه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلت عليه إحدى تلك الدلائل لأنه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلف إلى العلم به وهو تكليف بما لا يطاق ، ولو كان عليه دلالة غير تلك الأدلة لما كانت أدلة الشرع منحصرة فيها لكن بينا انحصار الاحكام في تلك الطرق ، وعند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم ، انتهى كلامه .
وأقول : هذا انما يصح إذا أريد بنفي الحكم نفيه بالنسبة إلينا اي عدم كوننا مكلفين به مع عدم العلم لامتناع تكليف ما لا يطاق ، وأما إذا أريد به نفيه في الواقع فهو غير صحيح لجواز ان يكون الحكم ثابتا في الواقع وان لم يصل إلينا ولا نكون مكلفين به حتى يصل إلينا كما ورد في الاخبار : ان الناس في سعة مما لا يعلمون حتى يعلموا ، فالتحقيق ان التمسك بأصالة البراءة انما يصح في العمليات المحضة دون العلميات أعني لا يجوز لنا الافتاء ‹ صفحه 20 › والحكم بالبراءة وان جاز ان يقال : انه لا يجب علينا الاخذ به لأنه غير ثابت لنا ، أو نحن في سعة منه حتى يتبين ، أو نحو ذلك ، وكأنه إلى هذا أشار الفاضل المذكور بقوله : ولا - يجوز التمسك بها في نفس أحكامه تعالى ، يعني يجوز في متعلقات أحكامه تعالى كما صرح به في موضع آخر ، ويؤيد هذا اختلاف مراتب الناس في مقدار تتبع الأدلة في الوصول إليها وعدمه مع أن ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام من أن حكم الله سبحانه واحد في كل قضية وان من اصابه فقد أصاب الحق ومن أخطأه فقد أخطأ الحق وعليه الوزر في فتياه لا ينفى الحكم في الواقع بمجرد أصالة البراءة ، كما يأتي في الأصل السابع تحقيقه ،
وعلى هذا المعنى يحمل ما رواه الصدوق رحمه الله في الفقيه عن الصادق عليه السلام : ان كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى ، أي مطلق لكم وموسع عليكم حتى يصل إليكم نهى لا ان الاطلاق حكم الله في الواقع ، وبهذا التحقيق يتحقق الجمع بين كثير من الآيات والاخبار المختلفة بحسب الظاهر في الأصول الآتية كما ستطلع عليه إن شاء الله بل يتحقق محاكمة دقيقة بين المخطئة والمصوبة كما يظهر عند التأمل الصادق ، ويمكن استنباط هذا الحكم اي جواز التمسك بأصالة البراءة في العمليات من القرآن من قوله عز وجل : وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ونحوها من الآيات مما يؤدى مؤداها . (الأصول الأصيلة - الفيض القاساني - ص 17 - 20)
 
فیض کاشانی در بخش دیگری از کتابش الاصول الاصلیه گفتار دیگری دارد که نقل آن مفید است:
اما اخبار المنع من تفسير القرآن بغير نص واثر فيجب حملها على المتشابهات منه دون المحكمات ، وكذا الأخبار الدالة على تخصيص أهل الذكر عليهم السلام بعلمه دون غيرهم ، فإنها أيضا محمولة على المتشابهات منه ، أو على علم الكتاب وذلك لوجوه من العقل والنقل ، منها ان الحكم اما نص وهو لا يحتمل الخلاف ، واما ظاهر والحكيم في مقام البيان والتفهيم لا يتكلم بما يريد خلاف ظاهره ، والا يلزم الاغراء بالجهل .
ومنها قوله عز وجل : منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات ( إلى قوله ) وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم ففي تفسير علي بن إبراهيم باسناده عن الصادق عليه السلام ان القرآن زاجر وآمر يأمر بالجنة ويزجر عن النار ، وفيه محكم ومتشابه فأما المحكم فنؤمن به ونعمل به وندين به ، واما المتشابه فنؤمن به ولا نعمل به وهو قول الله تعالى : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم ، آل محمد عليهم السلام .
ومنها قوله ( ص ) : في حديث غدير خم. معاشر الناس تدبروا القرآن، وافهموا آياته، وانظروا في محكماته، ولا تنظروا في متشابهاته. ومنها قول أمير المؤمنين ( ع ) في العهد الذي كتبه للأشتر النخعي إلى مصر : واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب و ‹ صفحه 38 › يشتبه عليك من الأمور فقد قال الله سبحانه وتعالى لقوم أحب ارشادهم : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول فالرد إلى الله الاخذ بمحكم كتابه ، والرد إلى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة ، إلى غير ذلك من الشواهد ،
بل نقول : ان من المتشابهات أيضا ما يجوز ان يعلم تأويل غير المعصومين عليهم السلام أيضا من شيعتهم الكاملين ببركة متابعتهم لهم وسلوك طريقتهم والاستفادة منهم ومن روحانيتهم ومجاهدتهم في الله حق جهاده قال الله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وانما خصوا عليهم السلام بعلم جميع المتشابهات وجميع الناسخ والمنسوخ وجميع الاحكام وبالجملة بعلم الكتاب كله كما يدل عليه قول الصادق عليه السلام : ما يستطيع أحد ان يدعى ان عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء. وفي حديث منصور بن حازم : فلم أجد أحدا يقال : انه يعرف ذلك كله الا عليا عليه السلام كما مر ، إلى غير ذلك مما يؤدي هذا المعنى ،
واما علم بعض المتشابهات فيمكن ان يوجد عند غيرهم عليهم السلام أيضا ويدل على ذلك شواهد من العقل والنقل وسنذكر بعضها في فصل [ من ] الأصل التاسع إن شاء الله كيف لا ويبعد غاية البعد حصر أكثر فوائد القرآن على عدد قليل محصورين مع أن في الآيات والأخبار الكثيرة ما يدل على عموم فائدته بالنسبة إلى الكاملين في الايمان ، وأن بالتفكر فيه والتدبر فيه والتدبر لمعانيه يهتدى إلى علوم كثيرة.
وروى في الكافي عن الصادق ( ع ) عن آبائه عليهم السلام عن النبي ( ص ) انه قال: فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه ‹ صفحه 39 › شافع مشفع وماحل مصدق ومن جعله امامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو دليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن فظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له تخوم ، وعلى تخومه تخوم ، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ، ومنار الحكمة ، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة ، فليجل جال بصره ، وليبلغ الصفة نظره ، ينج من عطب ويخلص من نشب ، فان التفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ، فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص. (الأصول الأصيلة - الفيض القاساني - ص 37 - 39)
 
 نکات اصلی و مهم بحث اصالة الاباحة العقلیة
 
•    نکته اول.
•     شریعت تنها در منطقي الفراغ حکم عقل حق تشریع دارد
•      
تحلیل شیخ انصاری درباره اصل اولی در امور: حظر یا اباحه؟ ابوالقاسم بن محمدعلی کلانتری نوری در کتاب مطارح الانظار که تقریرات اصول فقه شیخ اعظم انصاری است بحث مستوفایی درباره اصالة الاباحة و الحظر دارد که علیرغم طولانی بودن به دلیل  اهمیت عینا نقل می شود:
 
اصالة الاباحة العقلیة و اصالة التکلیف ؟!
أصل [في أن الأصل في الأشياء الإباحة أو الحظر]
 (بسم اللّه الرحمن الرّحيم) اختلف الآراء في أن الأصل في الأفعال الاختيارية التي لا ضرورة فيها عقلا هل هو الإباحة أو الحظر على أقوال ستعرف و قبل الخوض في نقلها و نقدها ينبغي رسم أمور ؛
الأول ؛ أنه قد استصعب بعضهم الفرق بين هذه المسألة و بين ما سيأتي من أن الأصل العملي في مقام الشك في التكليف على حسب اختلاف موارده هو البراءة أو الاحتياط زاعما أن عنوان إحدى المسألتين يغني عن الأخرى إما لعموم في إحداهما و إما لاتحادهما و ليس على ما زعم و لا على تلك المكانة من الصّعوبة فإن الفرق بين المقامين في منار .
أما أولا ؛ فلأن جهة عنوان البحث في المقام تغاير الجهة المعنونة في ذلك المقام و بيان ذلك أن الأشاعرة بعد ما نازعوا مع العدلية القائلين بالتحسين و التقبيح العقليين في إثبات الحسن و القبح و نفيه نازعوهم في مسألتين على سبيل التنزيل و الانحطاط عما قالوا به مماشاة منهم للعدلية فجعلوهما من فروع تلك المسألة و تذنيباتها كما يظهر ذلك بعد الرجوع إلى عناوينهم إحداهما وجوب شكر المنعم و الأخرى هذه المسألة فكأنهم قالوا سلمنا إن للعقل في بعض العناوين كوجوب ردّ الوديعة و الظلم و الإحسان حكما و لكنا لا نسلم أن هذين المقامين من جملة موارد حكم العقل فلا حكم للعقل على تقدير حكومته فيهما و العدلية قالوا بأن العقل يحكم بالوجوب في الأول منهما و بالإباحة أو الحظر في الثانية
فمحصّل النزاع في المقام إنما يرجع إلى أن للعقل حكما في الأشياء الخالية عن أمارة المفسدة أم لا و لا مدخل في تشخيص المرجع في العمل عند الشك فيه فإن الحاظر ربما يحكم بالإباحة في ذلك المقام و المبيح في الحظر من غير تناف بينهما لإمكان ورود دليل عقلي أو نقلي آخر على خلاف ما أصّله في هذا المقام و ملخّص النزاع في المقام الآتي يرجع إلى أن المرجع شرعا عند الشك في التكليف ( باختلاف أقسامه و موارده سواء كان المدرك في ذلك هو العقل أو النقل ) ما ذا ؟ فالأخباري على الاحتياط و الأصولي على البراءة فكأن الجهة الملحوظة في تلك المسألة مباينة للجهة المبحوث عنها في المقام و بعبارة مجملة ملخصة هي أن مسألة أصالة البراءة من المسائل الأصولية التي هي بيان لأحكام أفعال المكلفين و هذه المسألة من فروع الخلاف في الحسن و القبح الذي هو من مبادئ الأحكام على ما هو المحرز في كلماتهم كما لا يخفى .
و أما ثانيا ؛ فلأن المقصود بأصالة الإباحة بعد الإغماض عما تقدم هو إثبات الإباحة التي هي من الأحكام و المطلوب بأصل البراءة هو نفي العقاب و ما يستفاد من بعض الأدلة الناهضة عليها من إثبات الإباحة كقوله كل شي‏ء مطلق و نحوه إنما هو [ص: 246 ] تفضل من الدليل و إلا فلا وجه للتمسك ببعض ما لا يستفاد منها إلا رفع العقاب كما هو الغالب فيها كقوله ما حجب اللّه علمه عن العباد و قوله رفع عن أمتي و نحوهما مما يدل على الرفع و الوضع و انتفاء العقاب و المؤاخذة .
لا يقال : إن مفاد أصالة الإباحة لا يزيد على نفي الحرج و عدم المؤاخذة فلا ينهض فرقا لأنا نقول إن المبيح يدعي الإذن و الترخيص كما يستفاد من قولهم في دفع حجة الحاظرين بأن الإذن معلوم .
و أما ثالثا ؛ فبأن النزاع في المقام في الإباحة الواقعية و في البراءة في الإباحة الظاهرية و يظهر ذلك من الرجوع إلى مطاوي استدلالاتهم و فحاوي كلماتهم أ لا ترى أنهم قد جعلوا في قبال القول بالحظر القول بالوقف مع تصريحهم باشتراكهما في العمل . فلو لا أن المراد بالحظر الحظر الواقعي لما صح عدّ القول بالوقف قولا آخر و لا شك أن الحظر بعد ما كان واقعيّا لا مناص من كون الإباحة أيضا واقعية و مما يدل على أن الكلام في المقام في الإباحة الواقعية استدلال القائل بالحظر بأن التصرف في الأشياء المذكورة تصرف في ملك الغير بغير إذنه و جواب المبيح بأن الإذن من المالك معلوم فإن كلا من الدليل و الجواب أدل دليل على أن المراد بالإباحة و الحظر الواقعي منهما كما لا يخفى إذ التصرف في ملك الغير حرمته واقعية و بعد معلومية الإذن إباحة التصرف واقعية و كذا احتجاج القائل بالإباحة بما يقرب من قاعدة اللطف يلائم كونها واقعية إلى غير ذلك مما يلوح من عناوينهم لها في ذيل مسألة الحسن و القبح في عرض وجوب شكر المنعم كما عرفت في أول الوجوه .
فإن قلت : بعد ما كانت الإباحة واقعية لا يجوز ورود الشرع بخلافها لأولها إلى التناقض بين العقل و الشرع .
قلت : ورود الشرع بخلافها لا يقتضي التناقض فإن العقل في موضوع التصرف في ملك الغير بغير إذن المالك يحكم بالحظر و في موضوع الإذن يحكم بالإباحة و لا يجوز ورود الشرع بخلاف حكم العقل في هذين الموضوعين . نعم يمكن تبدل أحد الموضوعين بالآخر بحصول الإذن كما في الغصب على ما لا يخفى و لا تناقض على تقديره .
و أما رابعا ؛ فلأن المستفاد من ظاهر قولهم أصالة الإباحة و من موارد إجرائها فيها كما هو المتداول في ألسنة القدماءاختصاصها بالشبهة التحريمية و من ظاهر البراءة اختصاصها بالشبهة الوجوبية و لا أقل من عمومها لها و للتحريمية ، فالفرق ظاهر بين المقامين .
و ربما يذكر في وجه الفرق وجوه أخر كلها غير وجيهة فلا نطيل بذكرها و تزييفها .
الثاني في تحرير محل النزاع فنقول الأشياء عند العدلية تنقسم على قسمين قسم يستقل بإدراك حكمه العقل و قسم لا يستقل العقل بإدراك حكمه .
الأول خارج عن هذا النزاع و ينقسم على أقسامه الخمسة من الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة و الإباحة العقليات .
و الثاني أيضا على قسمين ؛ فإنه إما من الأفعال التي لا يمكن بقاء النوع و حفظ النظام بدونه كالتنفّس في الهواء مثلا و إما أن لا يكون من هذا القبيل ، و الأول أيضا خارج عن هذا النزاع ضرورة حكم العقل بجواز الارتكاب فيهما . ففي الحقيقة مرجع هذا القسم إلى الأول .
و الثاني لا يخلو إما أن يكون مما يشتمل على أمارة المنفعة أم لا ؟ و على الثاني ، فلا شك في كونها لغوا و عبثا فلا يجوز الارتكاب أيضا فيها ، إما لكراهة عقلية أو حرمة كما لا يخفى .
و الأول إما أن يكون مما يشتمل على أمارة المفسدة أيضا أم لا ؟ و على الأول ، فلا ريب أيضا في عدم جواز الارتكاب فيها . و على الثاني ، فهو محل النزاع و بالجملة فالنزاع إنما هو في الأفعال الغير الضرورية التي لا يستقل العقل بإدراك حكمه الخالية عن أمارات المفسدة المشتملة على أمارات المنفعة .
و ربما توهم بعض الأجلة دخول ما لا فيه أمارة المفسدة و لا أمارة المنفعة في النزاع و ليس بسديد و أما ما زعمه من اشتمال العنوان بشموله لها ، بعد ما يظهر منهم التصريح بخلافه في عناوينهم ، فمما لا يصغى إليه ، كتوهم شمول الأدلة لها .
نعم ما زعمه من الدليل ربما يشمله إلا أنه بمعزل عن الصواب لعدم استقامة الاحتجاج بمثله في أمثال المقام كما لا يخفى .
بقي هنا شيئان ؛ أحدهما ما استشكله المحقق القمي من أنه بعد ما كان مثل شم الطيب و أكل الفاكهة مما قد اختلف في إباحته فأي شي‏ء يبقى بعد ذلك يكون مباحا عقليّا في قبال أقسامه الأربعة ؟ فالأولى تربيع الأقسام فيما يستقل العقل بإدراك حكمه .
و قد يجاب عنه بما ذكره بعض الأجلة ؛ بأن التقسيم مبني‏ على أن يراد باستقلال العقل في الجملة و لو بحسب بعض أفراده . و فساده غير خفي .
و قد يجاب أيضا ؛ بأن العلم بعدم المفسدة فيما فيه أمارة المصلحة ، يوجب القطع بالإباحة ، فهو مباح عقلي قطعي .
و يرد عليه أن دليل الحاظر بأن التصرف فيه تصرف غير مأذون فيه ، يجري فيه أيضا . فلا يصير متفقا عليه ، كما هو المطلوب ، و لا غائلة فيه بعد تميز المفاهيم .
و ثانيهما ما هو المعروف بينهم من أن فرض العنوان فيما لا يستقل العقل بإدراك حكمه ، يناقض دعوى الحاظر و المبيح باستقلال العقل بإباحته أو حظره . و هذا هو الوجه في اختيار الحاجبي عدم الحكم في المسألة ، حيث إن الحكم فرع الحاكم و لا حاكم في المقام . أما العقل فلأن المفروض عدم استقلاله بالحكم و أما الشرع ، فلأن الكلام قبل وروده .
و أجيب عنه بوجوه ، الأول ؛ أن العقل لا يستقل بإدراك حكم العناوين الخاصة من حيث أنفسها و في حدود ذواتها كأكل الرمان و شرب الماء البارد فيما ليس هناك ضرورة و نحوهما ، و هو لا ينافي استقلال العقل بإدراك حكم عنوان عام صادق على تلك العناوين الخاصة على وجه كلي إجمالي ، كما في الحكم بكلية الكبرى في الشكل الأول .
و فيه أن التقسيم حينئذ يبقى بلا وجه لجريانه بعد ، فيما يستقل العقل بإدراك حكمه مثلا الظلم الخاص القائم بشخص خاص ، مما لا يستقل العقل بإدراك حكمه بخصوصه و مما يستقل العقل بإدراك حكمه من حيث اندراجه تحت عنوان كليّ الظلم ، و كذا رد الوديعة لو لوحظ من حيث خصوص أفراده لا يستقل العقل بإدراك حكمه و لو لوحظ باعتبار شمول عنوان كلي له فهو [ ص: 247 ] من المستقلات العقلية ، فنحن لا نقول بأن اختلاف حكم الكلّي و الجزئي لا يجري في دفع الإشكال ، كيف و لولاه لبطل الاستدلال عن أصله ، بل نقول بأن مجرد هذا الاختلاف لا يقضي بعدّ الظلم من المفاهيم التي يستقل العقل بإدراك حكمه ، و ما نحن فيه مما لا يستقل العقل بإدراك حكمه بعد جريان الكلام المزبور فيه أيضا كما عرفت .
الثاني ؛ أن ما لا يستقل العقل بإدراك حكمه ضرورة من دون حاجة إلى الوسط في الإثبات هل يستقل بإدراك حكمه بالنظر و مع ملاحظة الدليل و الوسط أم لا ؟ فمحل النفي هو الإدراك الضروري و محل الإثبات على تقديره هو الإدراك النظري ، فلا تناقض .
و قد يستفاد هذا الجواب من تحرير البعض في عنوان البحث ، كالعميدي على ما لا يخفى .
و فيه أيضا ؛ ما عرفت من جريانه بعينه فيما يستقل العقل بإدراكه . كيف و مرجع هذا الوجه عند التدبر هو الوجه الأول على بعض الوجوه ، فالعنوان الذي لا يستقل بإدراك حكمه العقل إلاّ بعد ملاحظة الوسط ، ليس من المستقلات العقلية و إنما الوسط منها ( و لا معيار في المقام لاختلاف المراتب ) فربما يكون الشي‏ء بعنوان جزئي منها و ربما يكون منها باعتبار صنفه على اختلاف مراتب الأصناف أو باعتبار نوعه أو جنسه السافل إلى أن يصل إلى جنس الأجناس في سلسلة الطول . فأكل الفاكهة في المقام بمنزلة الظلم الشخصي في ذلك المقام ، فكما أن الظلم الشخصي لا يعدّ من المستقلات العقلية إلا باعتبار الاندراج فكذا أكل الفاكهة لا يعدّ منها إلا باعتبار التصرف في مال الغير الذي مرجعه في الحقيقة إلى عنوان الظلم على بعض الوجوه كما لا يخفى .
الثالث ؛ ما أفاده بعض أفاضل المتأخرين طاعنا به على الفاضل القمي ، حيث استصعب دفع الإشكال ، و هو أن الحكم في المقام بالنسبة إلى مرحلة الظاهر و الجهل بالنسبة إلى مرحلة الواقع و النفي في الواقع لا ينافي الإثبات في الظاهر كما في أصالة البراءة فإن شرب التتن مما لا يستقل العقل بإدراك حكمه الواقعي و يستقل بإدراك حكمه الظاهري من غير تناقض بين الحكمين .
و فيه أنك قد عرفت فيما تقدم أن حكم العقل بالإباحة عند المبيح و بالحظر عند الحاظر واقعي على ما هو لائح من مطاوي كلماتهم ، و إن كان باعتبار جهالة حكم موضوعه ، و توضيحه و تحقيقه يحتاج إلى رسم مقدمة و هي ؛ أنه لا يتصور في الحكم العقلي أن يكون ظاهريا بل كل ما يحكم به العقل فهو حكم واقعي ، لأن اختلاف الأحكام الشرعية بأن يكون بعضها واقعيا و بعض آخر ظاهريا إنما هو بواسطة إمكان جعل حكم في الواقع و عدم الوصول لمانع إلى المكلف . فما هو المجعول واقعا حكم واقعي و ما هو المحكوم به في مقام العمل و الفتوى، حكم ظاهري. و هذا كما هو ظاهر يصح فيما لو كان الحاكم غير المكلف. و أما فيما إذا كان هو المكلف (كما فيما نحن فيه) فلا وجه لعدم الوصول حتى يقال بأن المجعول الغير الواصل ، حكم واقعي و المحكوم به في مقام الجهل بالواقع حكم ظاهري .
لا يقال : قد يكون الفعل قبيحا و العقل من حيث جهله بقبحه مثلا ، يحكم بجواز ارتكابه و إباحته . فمن حيث قبحه واقعا ، له حكم واقعي و من حيث الجهل به ، له حكم ظاهري .
لأنا نقول : الكلام في المقام إنما هو في الحكم التابع للقبح و الحسن ، على ما هو المقرر في المراد منهما في محل النزاع . و الحسن و القبح بالمعنيين المعهودين، لا يلحقان للأفعال الغير الاختيارية، اتفاقا من العدلية و الأشعرية . فالفعل القبيح في الواقع لا يتصف بالقبح إلا بعد العلم به على وجه يصير به اختياريا . فهو حال الجهل لا يتحقق قبيحا ، لأن المفروض عدم العلم بالعنوان القبيح ، و مع عدمه لا يصح قصده ، و بدون القصد لا يكون اختياريا ، فلا يتصف بالقبح في الواقع .
 
و إذا تمهّدت هذه المقدمة فنقول : إن حكم العقل بقبح التصرف في ملك الغير يقع على وجوه ؛
فتارة ؛ مع العلم بعدم إذنه و لا ريب في كونه حكما واقعيا غير منوط بالجهل .
و أخرى ؛ مع عدم العلم بإذنه . فإما مع إذنه واقعا أو مع عدم الإذن في الواقع . و الحكم بقبح التصرف في الصورتين أيضا ، حكم واقعي و إن كان في موضوع الجهل . فإن تعريض النفس في معرض الهلاكة ، عنوان حكم العقل و لا اختلاف فيه في جميع الصور ، و عدم وقوع الهلاكة في البعض لا يناط بالاختيار ، فلا يصح القول بكونه فارقا في الصّور الثلاثة و بالجملة فمقتضى القول بالحظر ( كما هو ظاهر ما تمسك به ) هو الحظر الواقعي و في قباله القول بالإباحة ، سيّما بعد ملاحظة ما أجابوا به عن دليل‏ الحظر ، من معلومية الإذن ، هو الإباحة الواقعية . فجعل النزاع في الحكم الظاهري في المقام كما في أصالة البراءة و دفع التناقض بأن عدم الاستقلال إنما هو بالنسبة إلى الواقعي و الاستقلال إنما هو في مرحلة الظاهر ، إنما هو تأويل بما لا يرضاه المتنازعون كما لا يخفى على المتأمل .
فالتحقيق في دفع الإشكال هو أن يقال إن استقلال العقل إنما هو في موضوع عدم وجدان ما يقتضي المفسدة و عدم استقلاله فيما لم يلاحظ مع الفعل هذا العنوان و ليس من الحكم الظاهري في شي‏ء . فإن موضوعات أحكام العقل ليس أحدها في سلسلة الطول بالنسبة إلى الآخر ، بل الكل في عرض الآخر . بخلاف الأحكام الشرعية ، فإنها ربما يكون أحد الموضوعين فيها في عرض الموضوع الآخر كالحاضر و المسافر ، و قد يكون مرتبا على الآخر كما في أصالة البراءة على ما سيجي‏ء تحقيقه . و الأحكام الظاهرية إنما تتصور فيما إذا كان أحد الموضوعين مرتبا على الآخر . مثلا حكم العقل بحرمة الظلم ، حكم واقعي و حكمه بحرمة الضرب، فيما إذا شك في حصول التأديب أيضا، حكم واقعي، و إن حصل التأديب. و مثله في الشرعيات يسمى بالحكم الظاهري ، فإن للشي‏ء مع قطع النظر عن العلم و الجهل ، حكما مخزونا في الشرع . و أما الأحكام العقلية فموضوعاتها لا تحصل إلاّ بعد العلم و الإرادة ، حيث إن الكلام على ما عرفت ، إنما هو في الحكم التابع للحسن و القبح اللاحقين للأفعال الاختيارية ، التي لا تصير اختيارية إلا بالعلم‏ [ ص: 248 ] و الإرادة ، فما لم يقصد حصول عنوان لم يحصل على وجه يتصف بالحسن و القبح ، و إن وقع ما هو القبيح أو الحسن في الواقع ، كالتأديب المترتب على الضرب فيما لم يكن مقصودا ، و قتل النبي صلى اللَّه عليه و آله المترتب على الصدق إذا لم يكن الصادق مريدا له في صدقه .
و السر في جميع ذلك هو ما عرفت في المقدمة الممهدة من أن مناط الانقسام إلى الحكمين ، هو إمكان جعل الأحكام الشأنية و عدم وصولها إلى المكلف . فيمكن أن يقال إن للشي‏ء ، مع قطع النظر عن الجهل ، حكما و من حيث هو مجهول ، حكما آخر ، بخلاف الأحكام العقلية ، فإن الشأنية فيها غير معقولة ، لامتناع ذهول النفس عنها كما لا يخفى .
 
الثالث في بيان الأقوال في المسألة؛
 فقيل بالإباحة و قيل بالحظر و توقف الشيخ الأشعري و فسر تارة بعدم الحكم و أخرى بعدم العلم بالحكم .
قلت : إن التفسير الأول يلائم مذهب الأشاعرة بعدم حكم للعقل في أمثال المقام ، كما عن الحاجبي و أضرابه . و التفسير الثاني يلائم كون هذا البحث إحدى مسألتي التنزل و المماشاة ، كما لا يخفى .
و إذ قد عرفت هذه الأمور ، فالمنقول من حجج المبيحين أمور ؛
أحدها ؛ ما نقله الشيخ ( في محكي العدة ) من أن تلك الأفعال منفعة بلا مضرة . أما أنها منفعة فبالفرض و أما أنها بلا مضرة لأنها لو كانت فيها مضرة آجلا أو عاجلا لوجب على الحكيم اللطيف نصب أمارة مفيدة للعلم ، و لا أقل من الظن المفيد للوثوق عليها ، و المفروض عدمها .
و الجواب عنه على ما نبّه به الشيخ و المحقق الجمال في تعليقاته على العضدي ؛ منع لزوم نصب أمارة عليها . لم لا يجوز أنه تعالى قد وكلنا على أنفسنا بعد وضوح طريقة العقلاء في الإطاعة و العصيان ؟ و هذا الجواب عن الشيخ كما ترى يناقض ما أورده في الإجماع ، من أن طريق ثبوت الإجماع منحصر في سلوك سبيل اللطف . بل هذا هو بعينه ما أورد عليه السيد ، و من العجب أن السيد قد احتج للقول بالإباحة بهذه الحجة .
اللهم إلا أن يوجه بأن اللطف ربما يقول بوجوبه الشيخ على اللّه بعد ما يقتضي التكليف ، لا قبل ملاحظة ما يقتضي التكليف . إلا أن فيه ما لا يخفى .
و بالجملة فالسيّد و الشيخ متعاكسان في المسألتين . بل ربما يعدّ هذا من الشيخ من وجوه التأييد لاعتبار الإجماعات المنقولة في كلامه فتدبر .
و ثانيها ؛ أن الأشياء المشتملة على المنفعة ، لو لم تكن مباحة لزم أن يكون إيجادها عبثا منه ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) .
و سخافته بحيث لا يخفى على أحد ، إذ غاية ما يمكن القول به ، عدم العلم بالفائدة و لا يلزم منه عدم الفائدة و إلا فالفائدة فيها معلومة لمن تدبر و تبصّر .
و ثالثها ؛ ما احتج به بعض الأجلة و هو أن ضرورة العقل قاضية بالإباحة في الظاهر عند عدم ما يدل على الخلاف من غير فرق بين المشتمل على المنفعة و غيره ، لظهور أن التكليف بأقسامه الأربعة مشروط بالعلم و النسيان عقلا و عادة ، و إذ ليس فليس . و لا نعني بالإباحة إلا ذلك .
و فيه ( بعد الغض عما أشرنا إليه سابقا في تحرير محل النزاع من انحصار عناوين القوم فيما يشتمل على المنفعة و من أن الحكم بالإباحة حكم واقعي ) أنه ؛ إن أراد قضاء ضرورة العقل بالإباحة ، بمعنى عدم الحرج و المؤاخذة ، فمسلّم ، إلاّ أنه لا يجديه ، لوقوعه في غير محل النزاع ، كما صرح به العضدي حيث حكم بعدم النزاع في الإباحة بهذا المعنى حتى عند الأشعري . و إن أراد الإباحة بمعنى الإذن و الترخيص كما قد يقال باستظهاره من نفي الأحكام الأربعة و إثباته ، ففيه أنه لا نسلم القضاء ضرورة العقل بالإباحة بهذا المعنى . و أمّا تخيله من اشتراط التكليف بأقسامه الأربعة بالعلم فهو كذلك ، إلا أن الإباحة بهذا المعنى أيضا من الأحكام التكليفية و يحتاج إلى العلم عقلا و عادة ، و لو سلم فانتفاء الأربعة لا يلازم إثبات الإباحة لوجود الواسطة ، و هو عدم الحكم . فإن الأحكام و إن كانت منحصرة في الخمسة ، إلا أنه لا ينهض دليل على ثبوتها في جميع الأشياء بحسب حكم العقل ، فتدبر .
و رابعها ؛ ما استند إليه جملة من المتأخرين و هو استقرار طريقة العقلاء بعدم الاجتناب عنها و حكمهم بلحوق المتحرز عنها بأصحاب السوداء و الجنون و استحقاق المقتصر في التنفّس على قدر الحاجة للذم عقلا .
 و فيه ؛ أن محل الكلام على ما مر ، يشمل فيما لو كان المفسدة مشكوكة ، لأن انتفاء أمارة المفسدة لا ينافي الشك بوجودها و لا نسلم استقرار طريقة العقلاء في محل الشك بالحكم بالإباحة ، لو لم نقل بأن سجية كل عاقل يحكم بالاجتناب عند الشك ، لعدم العلم بالإذن عند الشك . و أمّا إلحاق المتحرز بأصحاب السوداء و الجنون فهو إنما يثمر في إبداء الاحتمال لا العمل بمقتضاه بعد حصول الشك ، كما قد يمكن الاستشعار من قولهم أصحاب السوداء على ما لا يخفى . و بالجملة لا دلالة في الدليل المذكور على الإباحة في جميع الصور ، بل العقلاء يقتصرون على الظن بالسلامة و لو بتحصيل الظن من بعض السوالف و الأمور الغير المعتبرة من التسويلات النفسانية ، كما هو مشهود من ملاحظة حالهم في أمور معاشهم .
مثلا لو فرضنا نزول بلية مساوية النسبة في الكل ، فالنفس يحتال في إخراجها منها لا على وجه يكون مردّدا في الواقع ، بل في تحصيل الظن بالخروج كما لا يخفى .
و قد يحتج للقول بالإباحة بأقيسة مشهورة و أمثلة عرفية كالاستظلال بحائط الغير و الاستضاءة من نوره و ليس على ما ينبغي ، للقطع بالفرق من حصول الإذن فيها دون غيره كما لا يخفى .
 
و احتج القائل بالحظر بوجهين ؛
 الأول ؛ ما مر الإشارة إليه مرارا من أن ارتكاب تلك الأفعال تصرف في ملك الغير بغير إذنه فإن العبد في مقام العبودية لا يملك شيئا حتى نفسه ، فكيف بغيرها . و التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح ، فيحرم التصرف فيه .
و الجواب عنه أن قبح التصرف في ملك الغير مطلقا ، ممنوع . بل ما لم يستلزم التضرر للمالك أو في صورة منع المالك و إن لم يستلزم ضررا بالنسبة إلى المالك ، فإن التصرف في ملك الغير لا يستقل العقل بإدراك حكمه بعنوان نفسه ، بل من حيث أولِهِ إلى عنوان آخر يستقل العقل بإدراك حكمه ، كالظلم و نحوه . و عند انتفاء التضرر أو عدم المنع لا قبح فيه لعدم رجوعه إلى عنوان قبيح . نعم في الصورتين المذكورتين ‏[ ص: 249 ] يرجع إلى الظلم ، أما الأولى فظاهر ، و أما الثانية فلأنه بعد تسليم تسلط المالك على ملكه و عدم إذنه في التصرف و منعه منه بعَدّ التصرف فيه بغير إذنه ظلما ، فإنه وضع الشي‏ء في غير محله ، و من المعلوم تعاليه ( تعالى ) عن الضرر و المنع اقتراحا ، كما في غيره من الملاليك [ المالكين ] .
و لك أن تقول : إن التضرر في حقه تعالى غير معقول . و كذلك المنع الاقتراحي ، إلا أنه يحتمل أن يكون بواسطة ضرر متعلق بنا ، فإن أفعاله معللة بالأغراض الراجعة إلينا ، رفعا للعبث و الاستكمال في حقه تعالى عن ذلك . و مع هذا الاحتمال لا يجوز الإقدام على ارتكاب مثل تلك الأفعال ، و مع ذلك فلا يستقيم وجها آخر في قبال ثاني الوجهين لأوله حقيقة إليه كما ستعرف .
الثاني ؛ ما استند إليه الشيخ في العدة ،  من أن في ارتكاب تلك الأفعال إقداما بما لا يؤمن النفس من ضررها و هو قبيح . و لتحقيق الحال في هذا الاحتجاج محل آخر ، إلا أنه لا بد من الإشارة إليه إجمالا ، فنقول : لا كلام في قبح الإقدام بما يعلم التضرّر فيه كما لا كلام في قبحه فيما لو ظن بالضرر ، و إنما الكلام في أن الظن بالسلامة ، يكفي في رفع القبح ، أو لابد من دفع الضرر الموهوم ؟ و على تقدير الكفاية ، فهل الشك في الضرر ، يجب الاحتراز منه عقلا أو لا ؟
و قد يقال : بأنه لا قبح في العقول في عدم التحرز عن الضرر الموهوم ، و إنما غاية ما يمكن القول به ، هو الاستحسان العقلي و لا يزيد على استحبابه عقلا ، إلا أنه بمعزل عن التحقيق ، على ما يظهر من بعضهم ، حيث إن الموارد التي يستكشف منها حال العقلاء في أمور معادهم و معاشهم ، من اكتفائهم بالظن في السلامة ، إنما هو بواسطة انسداد طرق العلم لهم ، بحيث لو اقتصروا على المنافع المعلومة و المضار المعلومة ، لزم اختلال نظامهم و ذلك لا ينافي حكمهم بالوجوب فيما لا يعارضه ما هو أقوى منه أو مساو له . و أما الضرر المشكوك فلا ينبغي الشك بوجوب التحرز عنه عقلا ، بل و يظهر ذلك من علماء المتكلمين أيضا كما يلوح عند حكمهم بوجوب شكر المنعم كما لا يخفى ، إلا أن الظاهر من الفقهاء ( بل كاد أن يكون إجماعا منهم ) عدم لزوم الاجتناب عنه ، كما فيما لو شك في وجوب السفر مع العلم بعدم ترتب الضرر على تركه ، و كما لو شك في الوضوء بترتب الضرر عليه ، فإنهم مطبقون على عدم الاعتناء بهذا الشك إلا عن جماعة من المتأخرين ، أولهم الفاضل الهندي في شرح الشرح على ما حكاه الأستاذ .
و بالجملة ، فالذي يظهر منهم ، عدم لزوم الاحتراز شرعا ، و لا ينافيه أيضا خلاف بعض المتأخرين ، لأنهم على ما صرح به الفاضل ، إنما قالوا به بواسطة زعمهم أن موضوع الخوف الصّادق مع الشك في الحكم بالإفطار و التيمم و نحوهما ، يغاير موضوع الضرر ، و إلا فموضوع الضرر لا يقضي بتقييد الإطلاقات في صورة الشك ، كما يقضي به عند العلم أو الظن . فالفاضل ( لو سلم انحصار المقيد في الضرر كما هو كذلك على ما بيناه في محله ، مستقصى من أن الخوف طريق إلى الضرر ) لا يقول بوجوب دفع الضرر المشكوك و لا يحكم بتقييد ما دل على وجوب الصوم مثلا عند الشك في الضرر ، و العقل لصرافته يحكم بالوجوب . فلا بد من توجيه و توفيق .
و الذي يظهر في الجواب ، على ما أفاده الأستاذ ، أن يقال : إن الضرر المنفي في الشريعة ، المقيد لموضوعات أحكام الشرع عبادة و معاملة ، هو الضرر الدنيوي كما يظهر من ملاحظة حكمهم بسقوط الصوم و الوضوء في موضوع الضرر ، و عدم لزوم العقد عند اشتماله على ضرر أحد المتعاقدين مثلا . و لا يصح أن يكون الضرر الأخروي مقيدا لإطلاق ما دل على ثبوت الحكم الشرعي ، لأن المراد بالضرر الأخروي ( على ما يستفاد من كلمات المتكلمين و جملة من الأخبار ) ليس إلا العقاب ، و هو من توابع الحكم الشرعي . فلو فرض تقييد موضوعه بهذا الضرر لزم الدور .
و العقل و إن كان مستقلا في لزوم دفع الضرر ( و لو كان دنيويا ) ، إلا أنه بعد ملاحظة انضمامه بحيثية تجريدية ، لا مطلقا . ففيما لو عارضه ما هو أقوى منه ، لا قبح في عدم الاجتناب . و الموارد التي لا يجب الاجتناب فيها بأجمعها ، إنما هو بواسطة تعارض الضرر بما هو أقوى منه ، و لو كان الكاشف عن التعارض و وجود ما يعارضه ، حكم الشرع .
كيف و الشارع يحكم بوجوب شي‏ء و لو كان مشتملا على ضرر قطعي كما صرح به جماعة منهم الشهيد في القواعد في مقام نفي التقية عن الدماء و إظهار كلمة الكفر، فإنه ربما يكون مباحا و قد يكون حراما ، فيحرم على المكلف إظهار كلمة الكفر و لو انجر إلى قتله يقينا . لكن فيما لو كان المأمور بإظهار الكفر ممن يعتد بشأنه ، بحيث لو أظهر الكفر احتمل وقوع ثلمة في الدين ، مثلا ، و بالجملة ، فبعد ما لاحظنا طريقة الشرع من عدم الاعتبار بالضرر المقطوع و لو في بعض المقامات ، مع قطع العقل بلزوم الاحتراز فيه ، و لا يذهب وهم إلى تناقض حكمي الشرع و العقل ، لظهور أن حكم العقل إنما هو في صورة الانفراد و عدم التعارض ، لا إشكال و لا تنافي أيضا في المقام . بل بطريق أولى فيجوز أن يحكم الشارع بعدم ترتيب آثار الضرر المشكوك بأصالة عدم الضرر و نحوها من الأمارات الشرعية في مواردها . و حكم العقل بلزوم الاجتناب أيضا في محله . و لا ينافيه ما تقدم من التطابق أيضا ، لاختلاف الأحكام باختلاف الموضوعات كما لا يخفى .
و لذا تراهم يتمسّكون في مقام نفي الحكم المشتمل على الضرر ، بأدلة شرعية من غير أن يلتفتوا إلى حكم العقل بوجوب الاجتناب . فرفع الضرر الدنيوي و لزوم الاجتناب منه في الأحكام الشرعية ، حكم شرعي و لا مانع من تخصيص الشارع حكمه باعتبار اختلاف مصالح الحكم ، و حكمه بمورد دون آخر .
و من هنا يعلم وجه لزوم الاجتناب فيما إذا اشتمل أحد الإناءين على السم في الشبهة المحصورة ، حيث إنه لا دليل شرعا على جواز الارتكاب من الأصول العملية ( كما يظهر لك في محله إن شاء الله ) و العقل بصرافته يحكم بلزوم الاجتناب من غير ما يقضي بخلافه ، و لو بواسطة اختلاف الموضوع .
كما أنه يظهر لزوم الاجتناب فيما نحن فيه ، لأن‏ [ مطارح الأنظار، ص: 250 ] حكم العقل بوجوب دفع الضرر ، و لو في صورة الشك ، مما لا يعارضه شي‏ء . فأكل الفاكهة و شم الورد و إن اشتمل على أمارة المنفعة و خلا عن أمارة المفسدة ، إلا أنه ليس عدم الضرر به في الدنيا مقطوعا به ، و العقل مستقل بوجوب الاجتناب . و حيث إنه لا شرع ( كما هو المأخوذ في عنوان البحث ) فلا تعارض أيضا .
ثم إن المراد من قولهم : « قبل الشرع » ، بعد ما عرفت من أن الكلام في حكم العقل ، ظاهر يعنون به قبل ملاحظة الشرع . فلا حاجة إلى بعض التطويلات الواقعة في كلام جملة منهم في المقام‏ .
 
تذنيب‏
قد ذكر المحقق القمي في آخر البحث كلاما طويلا مرجعه إلى أن اعتبار أصالة الإباحة على القول بها في أمثال زماننا الذي قد كشف الشارع الحكيم عن حال جملة من الأشياء المشتملة على أمارة المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة كشرب الفقاع و استماع الغناء و أمثال ذلك ظنّي فالقول بحجيتها موقوف على اعتبار الظن و استقلال العقل بحجيته .
اقول : لايخفي ان حكم العقل بالإباحة ، ليس حكما ظنيا ، بل حكم علمي يبتني علي العلل و الغايات الطبيعية ، و لايجوز عقلا رفع اليد منه ، إلا بالإدلة العلمية ، و ليس فليس . 
و فرع عليه الحكم بكونها من المستقلات العقلية و على ذلك بنى الأمر في الرد على الفاضل التوني و السيد الشارح رضوان اللّه عليهما ، حيث حكم الأول ؛ بأن النزاع في الملازمة ، قليل الجدوى ، بل عديمها . إذ ما من مورد لحكم العقل إلا و قد ورد من الشرع فيه آثار كثيرة و أخبار وافرة . و استجوده الثاني ، فزعم أن أصالة حجية كل ظن ، إنما هي ثمرة من ثمرات مسألة الملازمة . إذ بعد إحراز حكم العقل بحجية الظن و تطابق الحكمين كما هو المقصود بالبحث في الملازمة فالظن حجة شرعية و أية ثمرة أعظم منها إذ عليها تدور رحى الفقه من الطهارات إلى الديات .
و اعترض عليه بعض من تأخر عنه ، بمنع مقدمات الانسداد على ما قرره المورد . و لعمري إنه اعتراض بارد و منع فاسد ، إذ لا يناط ترتيب الثمرة على صحة المذهب ، كما لا يخفى . بل إن كان و لا بد من الاعتراض فليعترض بأن جماعة منهم السيد علم الهدى و العلامة آية اللّه ، نقلوا الإجماع على حجية الظن في مورد الانسداد ، فلا ثمرة أيضا ، إلا أنه أيضا بمعزل عن الصواب كما لا يخفى .
و التحقيق فيه يتوقف على تمهيد مقدمة فيها تتميم لما تقدم أيضا ، فنقول : قد تقدم وجوب دفع الضرر الدنيوي عقلا و قد مر فيه الكلام على وجه يليق بالمقام و أما الضرر الأخروي فلا شك في كونه واجب الدفع أيضا بل العقل حكمه فيه أشد ، و النقل إبلاغه فيه أبلغ ، كما قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ألف ألف ضربة من السيف ، أحسن من الموت على الفراش في مقام الجهاد » إلى غير ذلك مما لا يحصى . و لا يصلح لمعارضة شي‏ء مع وجوده بخلاف الضرر الدنيوي فإنه مع احتمال العقاب لا يعقل معارضة بشي‏ء آخر إلا أن يرتفع العقاب .
فلا كلام في أن العقل يستقل بوجوب دفع الضرر سيّما إذا كان أخرويا ، إلا أن الحكم العقلي في المقام و أمثاله ، إنما هو مجرد إرشاد و إراءة للمصلحة أو تشريع منه و طلب وجوبي أو ندبي على اختلاف مراتب المصالح ؟ و الحكم الشرعي المطابق لحكم العقل أيضا هو حكم إرشادي أو حكم تشريعي ؟
قد يتوهم كما عن بعضهم أن حكم العقل في أمثال المقام و كذا حكم الشرع حكم تشريعي . و ليس على ما توهّمه ، لأن المراد بالإرشاد في الأوامر و النواهي المسوقة لبيانه ، ليس إلا بيان حقيقة الفعل و آثاره المترتبة عليه من مدح أو ذم و نحوهما ، من غير أن يكون مفيدا لإيجاب أو استحباب أو تحريم . فلا يترتب على مخالفة الأوامر الإرشادية إلا ما يترتب على نفس الفعل من آثاره ، و لا على إطاعتها إلا ما يترتب عليه في نفسه ، من دون أن يترتب على الإطاعة و العصيان فيهما ما يترتب عليهما في الأوامر التشريعية ، من الفوائد المنوطة بهما . و العقل في مقام الحكومة لا يزيد حكمه على هذا القدر كما لا يخفى ، إذ ليس له سلطان المالكية .
و أما الشرع و إن كان له التشريع ، إلا أن في بعض الأفعال ما يمنع عنه و بعضها مما لا يقبله ، كما في الأوامر الواردة في مقام الإطاعة و العصيان ، كقوله تعالى : « أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ » مثلا . و في مقام الاتّقاء عن النار ، كقوله تعالى : « فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ » و في مقام طلب القرب بالنسبة إليه و رفع الدرجة في الجنّة و أمثالها . فإن تلك الأمور غايات في الأوامر الشرعية . فالأمر بها لا يزيد على إفادة حسنها في نفسها من غير أن يحتاج إلى غاية أخرى فيها .
و على هذا فلا يصلح لأن يكون الأمر المتعلق بها في الشريعة أمرا تشريعيّا . و إن أبيت عن ذلك ، فنقول : لو كان الأوامر المترتبة على تلك الأمور و ما يقاربها أوامر تشريعية يلزم التسلسل ، و بطلان التالي كالملازمة أوّلية ، فلا يترتب على مخالفة النهي عن معصية الرسول ، إلا ما يترتب على معصية الرسول . و لا عصيان في تلك المخالفة لما عرفت من لزوم التسلسل على تقديره .
فظهر من جميع ما مر أن حكم العقل بوجوب شي‏ء ، إنما هو مجرد إرشاد منه ، و حكم الشرع المطابق له ، قد يكون تشريعيّا ( كما في كثير من الشرعيات ) و قد يكون إرشاديا ( كما في وجوب دفع الضرر الأخروي المنتهي إلى العقاب ) و ما يماثله .
و إذا تمهّدت هذه ، فنقول : قد تقدم في مباحث الظن ، اختلاف مشارب القائلين بالانسداد في كيفية الاستنتاج منه . فتارة بالحكومة ، كما هو مشرب التحقيق . و أخرى بالكشف ، على ما مر تفصيل القول في بيان المراد منهما . و على التقديرين ، لا وجه لتفريع مسألة الظن على مسألة الملازمة .
أما على الأول ؛ فلأن حكم العقل تارة في مقدماته ، كقبح التكليف بما لا يطاق ، و أخرى في نفس النتيجة . و على التقديرين لا يتم ما ذكره .
أما الأول ؛ فلأن قبح التكليف راجع إلى فعله تعالى و خروج أفعاله عن مسألة التلازم و التطابق مما لا يدانيه ريبة . فإن أفعاله تعالى ، ليس مما يتعلق به حكم الشرعي . و أما الحكم العقلي فيها ، فليس على ما هو المتراءى منه ، كما تخيله جهّال الأشاعرة على ما تقرر في محله .
و أما الثاني ؛ فلأن حكم العقل بالعمل بالظن على ما عرفت ، مرجعه إلى الاحتياط في المظنونات ، و هو من فروع الإطاعة و العصيان . و قد تقرر في المقدمة الممهّدة ، عدم تعلق حكم شرعيّ بهما . فالظن حال الانسداد ، كالعلم حال الانفتاح . فكما أن العلم لا يقبل الجعل ، فكذا الظن . فلا وجه لجريان مسألة التلازم فيه .‏
[ص: 251 ] سلمنا كون الإطاعة و العصيان ، مما يقبل الحكم الشرعي على ما قد يتوهم ، إلا أن الأدلة الشرعية الآمرة بالإطاعة و الناهية عن العصيان في الكتاب و السنة ، فوق حدّ الإحصاء ، فلا ثمرة أيضا كما لا يخفى .
و أمّا على الثاني ؛ فلأن مرجع الاستنتاج على القول بالكشف إلى قياس استثنائي مركب من منفصلة مانعة الخلو ، فينتج من رفع التالي وضع المقدم . كأن يقال : إن المرجع إما الظن أو العلم أو البراءة أو الاحتياط و التوالي فاسدة للمفاسد المترتبة عليها كما هو المقرر في محله ، فينتج مرجعية الظن مثلا . و هذا الحكم العقلي البرهاني ، و إن كان حجة شرعية أيضا ، إلا أنه خارج عن مسألة التلازم و التطابق،  فإن الفاضل التوني إنما هو في مقام دفع الثمرة في الأحكام العقلية التي ثبتت من جهة التحسين و التقبيح العقليين ، دون الاستلزامات العقلية ، كوجوب مقدمة الواجب و حرمة الضد و أمثالهما . و لو لا أن الكلام في ثمرة الحسن و القبح فالأحكام العقلية ( و لو كانت شرعية ) مما لا يعدّ و لا يحصى ، فلا وجه للاقتصار على مسألة الظن . فإن كثيرا ما ثبت الحكم الشرعي بأدلة عقلية صرفه ، كاجتماع النقيضين على تقدير عدمه أو وجوده و أمثال ذلك مما لا يخفى على المتدرب في مطاوي كلماتهم و مجاري استدلالاتهم .
اللّهم إلا أن يقال : إن المطلوب من حجية الظن حال الانسداد و هو كونه مناطا لجميع الأحكام الشرعية من الحكم بفسق المتخلف عنه و الحكم بعصيانه و نحو ذلك ، كما في الظنون الخاصة ، فإن المتخلف عن البينة و لو كان مصادفا للواقع عاص في الظاهر ، فالقائل بالظن المطلق ، لا بد له من التزام هذه الأحكام ، كما هو كذلك أيضا ، فإنهم ملتزمون بها كما لا يخفى على المطلع بكلماتهم .
و الدليل الناهض على حجية الظن لا يفي بذلك ، فإن غاية ما يتصور استفادته منه ، هو وجوب العمل بالظن بمعنى الاكتفاء بالامتثال الظني . و لا دلالة فيه على حرمة التخلف عنه و لو كان مصادفا للواقع . فلا بد من إثبات كون الظن حجة شرعية على ما هو الشأن في غيره من الحجج الشرعية و لو بواسطة عنوان التجري و الانقياد اللاحقين في حالتي المخالفة و الموافقة . إلا أنه مع ذلك لا يتم القول بكونها ثمرة للملازمة ، للأدلة الكثيرة الواردة في مقام التجري و الانقياد شرعا كما لا يخفى ، لو لم نقل بأن التجري و الانقياد أيضا من فروع الإطاعة و العصيان ، على ما دل توهم بعضهم ، فتدبر . تم الكلام في مسألة أصالة الإباحة .(مطارح الأنظار، ص: 245)
 
تصریح محیی الدین بن العربی به رد «اصالة التکلیف»
وحكم الأصل أن لا تكليف وأن الله خلق لنا ما في الأرض جميعا فمن ادعى التحجير علينا فعليه بالدليل من كتاب أو سنة أو إجماعوأما القياس فلا أقول به ولا أقلد فيه جملة واحدة وأما أفعال النبي ص فليست على الوجوب فإن في ذلك غاية الحرج إلا فعل بين به أمرا تعبدنا به فذلك الفعل واجب مثل قوله صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وأفعال الحج ولولا نطقه في ذلك في بعض الأفعال لم يكن يلزمنا ذلك الفعل فإنه بشر يتحرك كما يتحرك البشر ويرضى كما يرضى البشر ويغضب كما يغضب البشر فلا يلزمنا اتباعه في أفعاله إلا أن أمر بذلك. (الفتوحات المكية - ابن العربي - ج 2 - ص 165)
 
دو تحلیل جصاص از اصالة الاباحة ی عقلیه
اول.
قال أبو بكر الکاشانی (متوفی587، ومن اعاظم علماء الحنفیة فی القرن السادس) قد ذكرنا صدرا مما احتج به لإثبات القياس والاجتهاد من دلائل الكتاب والسنة ، واتفاق الأمة ، ونذكر الان ما يدل عليه من جملة حجج العقول والنظر الصحيح . فنقول وبالله التوفيق :
إن العبادات ( قد ) ترد من الله تعالى على أنحاء ثلاثة : ‹ صفحه 70 › واجب في العقل : فيرد الشرع بإيجابه ، تأكيدا لما كان في العقل من حاله ، وذلك نحو التوحيد ، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، وشكر المنعم ، و الانصاف ، وما جرى مجراه . والثاني : محظور في العقل : فيرد الشرع بحظره ، تأكيدا لما كان في العقل ،
وهذان البابان (در جاییکه عقل حکم به وجوب یا منع می کندُ ار نظر نقل شرعی حق اظهار نظر بر خلاف عقل را ندارد) لا يجوز ورود الشرع فيهما بخلاف ما في العقل ، ولا يجوز فيهما النسخ والتبديل .
وقسم ثالث : وهو واسطة بينهما ، ليس في العقل حظره ولا إيجابه ، إلا على حسب ما تقتضيه حاله : من حسن ، أو قبح ، وفي العقل تجويز كونه من حيز الواجب ، أو المحظور ، أو المباح . فإذا حظره السمع علمنا قبحه ، وإن أوجبه أو أباحه ، علمنا حسنه ،
فإذا ثبت ذلك ووجدنا الله تعالى قد أباح لنا التصرف في المباحات بحسب رأينا واجتهادنا في اجتلاب المنافع لأنفسنا بها ، ودفع المضار عنها ، نحو التصرف في التجارات ، والرحلة للأسفار ، طلبا للمنافع في زراعة الأرضين ، وأكل الأطعمة ، والتعالج ، والأدوية ، على حسب اجتهادنا . والغالب في ظنوننا : أنا نجتلب بها نفعا ، ولو غلب في ظنوننا انا لا نجتلب بها نفعا ، أو ( ندفع ) بها ضررا ، لكان تصرفنا فيها قبيحا ، وعبثا ، وسفها ، ثم كانت إباحته ذلك لنا على ( هذه الوجوه ) مصلحة ، ودلالة على حسنه ، مع كون هذه الضروب من التصرف موكولة إلى اجتهادنا ، ومقصورة على مبلغ آرائنا ، وغالب ظنوننا . وقد كان قادرا على أن يتولى ذلك لنا ، ويكفينا المؤنة فيه ، كما كفانا أكثر أمورنا التي حاجتنا إليها ضرورة ، ولكنه وكل ذلك إلى آرائنا واجتهادنا ، لما علم لنا فيه من المصلحة ‹ صفحه 71 › والتشبه على أمر الآخرة ، وليشعرنا أن ثوابه لا ينال إلا بالسعي والتزهيد في الدنيا ، والترغيب في الجنة ، التي لا تعب فيها ولا نصب .
وغير ذلك من وجوه المصالح التي لا يحيط علمنا بها ، وإذا ثبت ذلك في المباحات التي قد علمنا تعلقها بالمصالح كتعلق المحظورات ، والواجبات ، مما يجوز فيه النسخ ، والتبديل ، ثم كان ذلك موكولا إلى اجتهادنا ، وغالب ظنوننا ، وكان ذلك من أمور الدين ، إذ كان أكبر المصالح ، ما كان في أمر الدين ، فقد ثبت جواز الاجتهاد في سائر حوادث أمر الدين ، مما لا ينص لنا فيه على شئ بعينه ، ولم تتفق الأمة عليه . (الفصول في الأصول - الجصاص - ج 4 - ص 69 - 71)
 
 دوم.
يجوز تخصيصه بدلالة العقل ‹ صفحه 147 › كقوله تعالى أيها الناس اتقوا ربكم وفي عقولنا أن مخاطبة المجانين والأطفال بذلك سفه فصارت الآية مخصوصة بالعقل لأنه حجة لله  تعالى تبين مراده بالآية ولا فرق بينه وبين تخصيصه بقرآن أو سنة فإن قال لا يجوز تخصيصه بالعقل لأن التخصيص إذا كان معناه بيان المراد فغير جائز حصول البيان قبل وجود ما يقتضيه كما لا يجوز وجود الاستثناء قبل ورود الجملة المستثنى منها قيل له لا يخلو من أن تكون من القائلين بدلالة العقل وأنه حجة لله تعالى أو تقول بنفيها فإن كنت ممن ينفي دلائل العقول.
فالكلام بيننا وبينك في إثبات دلائل العقول وإنها تفضي بنا إلى حقيقة العلوم التي طريقها العقل وإن كنت ممن يقر بحجج العقول إلا أنك منعت استعماله في تخصيص العموم خاصة فإن هذا خلف من القول من قبل أن دلائل العقول لا يجوز وجودها عارية من مدلولها ولا يجوز ورود السمع بنقضها ‹ صفحه 148 › فإذا قال الله عز وجل أيها الناس اتقوا ربكم وقد أقام قبل ذلك في عقولنا أنه لا يصح منه خطاب المجانين والأطفال فقد صارت دلائل العقل قاضية لحكم اللفظ على المكلفين دون الأطفال والمجانين كما تنقل دلالة العقل حكم اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز كقوله تعالى ما شئتم فجعله زجرا ونهيا وحقيقته أنه أمر فإن قال إنما علمت خصوص هذه الآية بالاجماع قيل له فقد كنت تجوز قبل ورود الآية وحصول الاجماع على معناها مخاطبة الله تعالى المجانين والأطفال وأمره إياهم بالتقوى ووعيدهم على تركها.
فإن قال نعم فقد أحال في قوله ويلزمه إجازة خطاب الله تعالى الجمادات وتكليفها العبادات  وكفى بهذا خزيا لمن بلغه فإذا صح جواز تخصيص اللفظ العام من جهة العقل وليس ذلك كالاستثناء الذي لا يصح وجوده قبل المستثنى منه من قبل أن الاستثناء لو انفرد قبل ذكر المستثنى منه لم يعقل منه شئ ودلالة العقل بانفرادها موجبة لأحكامها المتعلقة  بها وليس يمتنع ‹ صفحه 149 › ان ينعدم ما يوجب تخصيص اللفظ بسمع ان يكون معناه مفهوما يا قبل ورود  اللفظ المخصوص نحو ان يقول الرجل لعبيده إذا أمرتكم بسقي الماء فاسقوني الا فلانا فيكون فلان خارجا من هذا الامر مخصوص منه بقوله المتقدم للامر وانما لا يصح افراد الاستثناء  قبل ذكر المستثنى منه إذا عبر عنه بلفظ الاستثناء لأنه لا يصح ان يقول ابتداء الا فلانا ولو قال لم يكن كلاما معتدلا ولم يعقل منه شئ فلذلك لم يصح.
 فإن قال قائل لو جاز تخصيص العموم بالعقل لجاز نسخه به لان النسخ بيان لمدة الحكم كما أن التخصيص بيان المراد بحكم اللفظ قيل له لو فهمت ما ألزمتنا لكفيتنا  مؤونتك  وقضيت لنا على نفسك وذلك أنه لا سبيل إلى معرفة توقيت مدة الحكم من طريق العقل وذلك أن احكام الأشياء في العقل على ثلاثة أنحاء منها ما فيه ايجابه نحو شكر المنعم واعتقاد التوحيد وتصديق الرسل عليهم السلام  ومنها ما فيه حظره نحو الكفر والظلم والكذب ونحو ذلك وهذان البابان  يجريان في حكم العقل على شاكلة واحدة لا يجوز فيها التغيير  والانقلاب في باب الايجاب أو الامتناع. (الفصول في الأصول - الجصاص - ج 1 - ص 146 - 149)
 
نکته‌‌ی دوم
مبتنی بودن احکام بر اخلاق، و احکام و اخلاق بر اصول و مبانی اعتقادی شریعت  سبب شده است که منافع و مضارآدمی درعالم آخرت نیز به حکم عقل مبنی بر لزوم جلب منفعت ودفع مضرات افزوده شود و البته تنها مرجعی که از منافع و مضار عالم اخری خبر می دهد نقل و وحی است
 
قال أبو بكر : ونقول : إن حكم الأشياء في العقل قبل مجئ السمع : ثلاثة أنحاء . منها : واجب لا يجوز فيه التغيير ( والتبديل ) نحو : الإيمان بالله وشكر المنعم ، ووجوب الإنصاف . ومنها : ما هو قبيح لنفسه ، محظور ، لا يتبدل ، ولا يتغير عن حاله ، نحو : الكفر ، والظلم ، فلا يختلف حكمه على المكلفين . ومنها ما هو ذو جواز في العقل : يجوز إباحته تارة ، وحظره أخرى ، وإيجابه أخرى ، على حسب ما يتعلق بفعله من منافع المكلفين ومضارهم . فما  لم يكن من القسمين الأولين فهو قبل مجئ السمع على الإباحة ، ما لم يكن فيه ضرر أكثر مما يجتلب بفعله من النفع ، ويجوز مجئ السمع تارة بحظره ، وتارة بإباحته ، وأخرى بإيجابه ، على حسب المصالح.
والدليل على إباحة ما وصفنا لفاعلها من المكلفين : أنه معلوم أنها مخلوقة لمنافع المكلفين ، وذلك لأن خلقها لا يخلو من أحد أربعة معان . إما : أن يكون الله تعالى خلقها لا لينفع أحدا ، وهذا عبث وسفه ، والله تعالى منزه عنه ، أو يكون خلقها ليضربها من غير نفع ، وهذا أشنع وأقبح ، ولا يجوز فعله على الله تعالى ، أو أن يكون خلقها لمنافع نفسه ، وذلك محال ، لأنه لا يلحقه المنافع و ( لا ) المضار . فثبت أنه خلقها لمنافع المكلفين ، فوجب أن يكون لهم الانتفاع بها على أي وجه يأتي لهم ذلك منها ، ما لم يؤد إلى ضرر أعظم مما يجتلب به من النفع . ‹ صفحه 249 ›
والدليل على ذلك : أنه لما خلقها ليستدل بها المكلفون كان لهم الاستدلال بها ، وهي ضرب من الانتفاع ، كذلك سائر ما يتأتى لهم فيها من وجوه الانتفاع ، ينبغي أن يجوز لهم إتيانها . دليل آخر ، وهو : أنا لما وجدنا السماوات والأرض وأنفسنا دلائل على الله تعالى ، ولا دلالة فيها على تحريم الانتفاع بهذه الأشياء ، لأنها لو كانت دالة على حظرها لما جاز ورود الشرع  بإباحتها ، لأن موجب دلائل الله تعالى لا ينقلب ، فعلمنا : أنه لا دلالة فيها على حظرها . ولو كانت محظورة لما أخلاها من دليل يوجب حظرها ، وقبح مواقعتها ، فدل ذلك على أنها مباحة ، وأنه لا تبعة على فاعليها ، لأن ما كان على الإنسان من  فعله تبعة - فغير جائز أن يخليه الله تعالى من إقامة الدليل على أن عليه فيه تبعة ، لينتهي عنه ، هذا حكم العقل
و ( قد ) أكد السمع هذا المعنى ( بقوله تعالى ) :  ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ) الآية . فأخبر أن ما لم يدل على تحريمه فلا تبعة على فاعله . دليل آخر : وهو أن الأشياء التي وصفنا أمرها لا يخلو من أن تكون مباحة على ما بينا . أو محظورة ، أو بعضها محظور ، وبعضها مباح . وغير جائز أن يقال : جميعها ، لأنه يوجب أن يكون محظورا على الإنسان : الحركة ، والسكون ، والقيام ، والقعود ، والاضطجاع ، وأن يكون مأمورا بأن : يخلو من جميع أفعاله ، فلما استحال ذلك علمنا : أن بعضها مباح ، ثم البعض الآخر لا يخلو من  أن يكون مباحا أو محظورا ، فلو كان محظورا لوجب أن يكون هناك دليل يتميز به من المباح ، فلما عدمنا الدليل على ذلك : علمنا أن البعض مساو للمباح ( في باب فقد الدليل على حظره وما ساوى المباح ) في هذا الوجه فهو مباح .
فثبت : أن الجميع مباح . ‹ صفحه 250 › وأيضا : فإن في حظر هذه الأشياء تكليفا ومشقة تدخل على النفس ، وغير جائز للإنسان إدخال الضرر والمشقة على نفسه ، من غير اجتلاب نفع ، ولا دليل في العقل يوجب ذلك ، فقبح إلزامه ذلك .
وأيضا : فإن تكليف الفرض لطف من الله تعالى في التمسك بما في المعقول إيجابه ، ومن أجله حسن إيجابها ، وما كان هذا سبيله فغير جائز أن يخليه الله تعالى من إقامة دليل على لزوم اجتنابه ، إن كان محظورا . فدل على ( أن ) ما كان هذا وصفه مما لم يرد السمع بإيجابه وحظره فهو مباح .
وأيضا فإن في ترك الإقدام على الأكل والشرب تلف النفس ، وذلك قبيح إذا لم يؤد إلى نفع هو أعظم من الضرر اللاحق به ، فلما لم يعلم : أن له نفعا في تركه ، لم يجزله تركه . فإن قال قائل : ما أنكرت أن يكون في العقل دلالة على حظر هذه الأشياء قبل مجئ السمع ، وهي : أن هذه الأشياء ملك الله تعالى ، وفي عقل كل عاقل : أنه لا يجوز التصرف في ملك الغير إلا بإذنه . قيل له : ليس الانتفاع بملك الغير بغير إذنه محظورا لعينه ، لأنه جائز له الانتفاع بملك الغير بغير إذنه إذا لم يكن عليه فيه ضرر ، نحو : أن يستظل بظل حائطه ، ويقعد في ضوء سراجه ، ويسرج منه لنفسه ، فلما كان ذلك ضربا من الانتفاع بملك الغير ولم يكن قبيحا من أجل وقوعه بغير إذن مالكه - علمنا أن :الانتفاع بملك الغير يجوز بغير إذنه ، فالمستدل على حظر ذلك لأجل كونه ملكا للغير ، وأنه ينتفع به بغير إذنه مخطئ . فقد سقط هذا السؤال من هذا الوجه ،
ونقول مع ذلك : إن حكم هذه الأشياء في جواز الانتفاع بها قبل مجئ السمع حكم ( انتفاع الواحد )  منا بظل حائط غيره ، وبضوء سراجه ، والاستصباح منه ، وذلك لأن الله تعالى المالك لهذه الأشياء لا يلحقه الضرر  بانتفاع المنتفع منا بها ، ولا ضرر يلحقنا بها أعظم مما نرجوه من النفع ، لأنه لو كان علينا فيه ‹ صفحه 251 › ضرر في الدين لما أخلانا الله عز وجل من توقيف عليه ، فوجب أن لنا الإقدام عليه  كما جاز الإقدام على الانتفاع بملك الغير فيما لا ضرر عليه فيه ،
وأما الانتفاع بملك الغير فيما بيننا فإنما كان ممنوعا لأجل الضرر الذي يدخل به عليه ، ولأنه  يحتاج إليه ، كما احتجنا نحن إليه ، فلم يكن لنا أن ننفع أنفسنا بضرر غيرنا ، من غير أن نوصله به نفع أعظم منه ، إلا أن يبيحه لي ( مالكه ) ومالك الأعواض كلها ، وهو الله سبحانه وتعالى . فإن قال قائل : الفرق بين ما ذكرته  وبين الأشياء التي ذكرنا: أن في الإقدام على الأكل والشرب إتلاف ملك الغير ، وليس في الاستظلال بظل حائط الإنسان والقعود في ضوء سراجه إتلاف شئ عليه .
قيل له : إتلافه إياها لم يخرجها من ملك مالكها ( لأن الله تعالى مالك لها ) قبل الإتلاف وبعده ، إذ كان قادرا على إعادتها إلى ما كانت ، فلم يخرج بالإتلاف عن ملكه كما لم يخرج الحائط والسراج عن ملك مالكه بانتفاع غيره به في الوجوه التي ذكرنا . وأيضا : فإنه لا فرق بينهما من الوجه الذي ذكرنا ، لأن المعنى كان في إباحة الانتفاع بظل حائطه والقعود في ضوء سراجة ، هو : أنه لا ضرر على مالكه فيه ، ولهذا فيه نفع . فهذا المعنى موجود فيما وصفنا من هذه الأشياء من حيث كان له فها نفع من غير ضرر على مالكها ، فوجب أن يكون ( حكمها حكم ) ما وصفنا ، وأن يمنع اختلافهما من جهة : أن في أحدهما إتلافا ، وليس في الآخر مثله ، من الجمع بينهما من لوجه الذي ذكرنا . ‹ صفحه 252 ›
وأما من قال : إني لا أقول : إنها مباحة ، ولا محظورة ، لأن الإباحة تقتضي مبيحا ، والحظر يقتضي حاظرا ، فإنه إنما منع إطلاق لفظ الإباحة ( والحظر ) ووافق في المعنى ، حين قال : لا تبعة على فاعلها ، لأن هذا هو صورة المباح ، إذا لم يستحق بفعله الثواب ، ويلزمه أن يمتنع من أن يقول في شئ من الأشياء : إنه واجب ، قبل مجئ السمع ، من نحو الإيمان بالله ، وشكر المنعم ، ووجوب الإنصاف ، ( وأن لا يقول : إن الكفر بالله والظلم والكذب محظور ، قبل مجئ السمع ، لأن الوجوب يقتضي موجبا ، والحظر يقتضي حاظرا .
فإن قال : الموجب لاعتقاد الإيمان ، والحاظر لاعتقاد الكفر : هو الله تعالى ، الذي أقام الدليل على ذلك . قيل له : فهلا قلت مثله في هذه الأشياء قبل مجئ السمع ؟ لأن المبيح هو الله عز وجل الذي خلقها ) للانتفاع بها ، ثم لم يقم الدليل على حظرها . فإن قال : لو كان ما لا تبعة على فاعله مباحا ، لوجب أن تكون الأشياء مباحة للبهائم ، والمجانين ، والساهي . قيل له : لا يجب ذلك لأنا قد قلنا : إن حد المباح ما لا تبعة على فاعله من المكلفين ، ويكون فيما ذكرت ، لأنهم غير مكلفين ، والساهي فعله غير واقع عن قصده .
قال أبو بكر : وجميع ما قدمناه إنما هو كلام في حكم هذه الأشياء في العقل قبل مجئ السمع ، ثم جاء السمع بتأكيد ما كان في العقل إباحته ، وهو : قوله تعالى ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) وقال : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) وقال تعالى ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق )  وقال تعالى : ( ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ) وقال تعالى : ( والنخل ‹ صفحه 253 › باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد )  وقال تعالى :  ( كلوا مما في الأرض حلالا طيبا )  وقال تعالى : ( أحل لكم الطيبات )  وقال تعالى : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم . . . )  وقال تعالى : ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور )  وقال تعالى : ( وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم ) وقال تعالى : ( ينبت لكم به الزرع والزيتون . . . )  الآية وقال : ( والأنعام خلقها لكم فيها دف ء ) إلى آخر الآيات . في أي أخر يقتضي إباحة هذه الأشياء . (الفصول في الأصول - الجصاص - ج 3 - ص 248 - 253).


احمد قابل

هیچ نظری موجود نیست:

ارسال یک نظر